قراءة في كتاب " المفهوم الاجتماعي للمسرح " للدكتور مدحت الكاشف

الدكتور مدحت الكاشف الدكتور مدحت الكاشف
 
كتب : جمال عبد الناصر
ينطلق مفهوم المسرح الاجتماعي عند  د. مدحت الكاشف من تفكيك الفكرة السائدة التي تختزل المسرح في كونه فعلًا جماليًا أو تقنية عرض، فهو يري المسرح واقعة وجودية؛ فهو حدث اجتماعي يولد في نقطة تماس حادة بين الإنسان وواقعه، ومن ثم لا يُقاس العرض بقيمته الفنية فقط، بل بقدرته على إعادة مساءلة الوجود الاجتماعي نفسه: السلطة، الخوف، الجماعة، الهامش، والمسكوت عنه.
 
وبهذا المعنى، يتحول المسرح من منتج ثقافي إلى فعل معرفي يشتبك مع أسئلة المجتمع الكبرى، ويضع المتفرج في موقع الشاهد-المشارك لا المستهلك السلبي، ووفق هذا التصور، فالتمثيل ليس محاكاة للواقع بل إعادة إنتاج نقدية له، فالممثل لا "يجسّد" الشخصية بقدر ما يكشف بنيتها الاجتماعية والنفسية. الجسد المسرحي يصبح وثيقة حيّة: يحمل آثار القهر أو التهميش، ويكشف أنماط السلطة المضمَرة، كما يفضح اللغة اليومية بوصفها أداة تطبيع.
 
كل هذه الأفكار وهذا الطرح يقدمه الدكتور مدحت الكاشف في كتابه " المفهوم الاجتماعي للمسرح "، ويري أيضا ان المسرح الاجتماعي يقترب هنا من الفعل الفلسفي: فهو لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يزعزع اليقين ويخلق حالة من القلق المنتج، ويُعيد هذا المفهوم تعريف الجمهور. حيث لم يعد الجمهور كتلة صامتة، بل كيانًا اجتماعيًا حاضرًا في المعادلة الدرامية. ويصبح التلقي ذاته فعل سياسي وثقافي.
 
فالمسرح الاجتماعي لا يسعى للإبهار، ولا يهادن الذائقة الاستهلاكية، ولا يخشى الصدام مع المتفرج، إنه يطالب المتلقي بأن يعترف بموقعه داخل البنية الاجتماعية المعروضة، وأن يواجه مسؤوليته الأخلاقية والمعرفية، وأحد أهم الأبعاد الفلسفية في الكتاب هو علاقة المسرح بالسلطة. فالمسرح الاجتماعي لا يواجه السلطة بوصفها كيانًا سياسيًا فحسب، بل باعتبارها نظامًا رمزيًا يتغلغل في اللغة، وفي الجسد، وفي العلاقات اليومية.
 
عندئذ  يصبح العرض المسرحي مساحة لفضح: آليات القمع الناعمة، والتواطؤ الاجتماعي، وإعادة إنتاج الهزيمة بوصفها قدرًا، ان المسرح لا يدّعي الثورة، لكنه يوقظ الوعي، والوعي—في تصور الكاشف—هو الفعل الأول لأي تغيير.ولذا فهو ينظر إلى المسرح كذاكرة جمعية، وليس كحدث عابر، بل كأرشيف حي للذاكرة الاجتماعية. وعليه فإن الجسد الممثل يحمل تاريخ الجماعة، ويعيد تمثيله لا لتقديسه، بل لمساءلته وإعادة كتابته.
 
وبهذا المعنى، يصبح المسرح فعل مقاومة للنسيان، وضد تسليع الذاكرة وتحويلها إلى فولكلور بلا معنى، وقيمة «المفهوم الاجتماعي للمسرح» لا تكمن في طروحاته النظرية فقط، بل في كونه نتاج ممارسة واعية. والفلسفة هنا لا تنفصل عن الخشبة، بل تنبع منها.
 
هذا الكتاب يرفض التنظير المجرد، ويؤكد أنه لا مسرح اجتماعي دون جسد واعٍ ولا جسد واعٍ دون موقف أخلاقي، ويقدّم د. مدحت الكاشف في هذا الكتاب تصورًا للمسرح بوصفه ضمير المجتمع، لا مرآته. مسرحًا لا يكتفي بأن يعكس الواقع، بل يسائله، يقلقه، ويضعه أمام تناقضاته، إنه مشروع فكري وجمالي يعيد للمسرح دوره الأصيل، وهو أن يكون ضرورة إنسانية، لا ترفًا ثقافيًا.
 
وطوال رحلة الكتاب يرصد الكاشف التجارب التقنية المعاصرة التي حولت تلك الأفكار النظرية الى تجارب عملية حقيقية من الملحمية إلى أنثروبولوجيا المسرح، والكتاب تم طرحه ضمن إصدارات مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشرة بالقاهرة التي انتهت منذ أيام .
 
 

اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر