أولياء الله الصالحين في سينما داوود عبد السيد: ضريح يحكي صراع الإنسان المهمش

شيماء سعيد شيماء سعيد
 
شيماء سعيد

لم يكن اللجوء إلى أولياء الله الصالحين في أفلام المخرج  والمؤلف داوود عبد السيد مجرد انعكاس لملمح اجتماعي مألوف في البيئة الشعبية، بل جاء بوصفه اختيارًا واعيًا يكشف عن لحظة الانكسار الإنساني لدى شخصياته، حين يعجز الواقع عن تقديم حلول، في فيلمي الكيت كات (1991)  وسارق الفرح (1995)، يقدّم عبد السيد نموذجين مختلفين للجوء إلى الضريح، عبر شخصيتي "فاطمة" الفنانة "عايدة رياض، و"عوض" الفنان "ماجد المصري"، كاشفًا الفارق بين من يسعى للخلاص الحقيقي، ومن يريد مجرد علامة تمنحه الاطمئنان وتتيج له اتخاذ قراره بثقة.


 

المكان وأهميته في السرد: من مركزية الضريح إلى هامشيته
 

ضريح (سيدي أبو العلامات) في فيلم سارق الفرح ليس مجرد مكان عابر، بل يشكّل محورًا أساسيًا للأحداث، فكل قرار يتخذه "عوض"، وكل مأزق يواجهه، يمر عبر الضريح، الذي يتحول إلى مرجعية أخلاقية وشريك في حياته اليومية. يكرّر "عوض" زياراته أكثر من مرة، طالبًا علامة ليتأكد من إمكانية زواجه من أحلام، الفنانة "لوسي"، مرورًا باستئذانه سرقة شقيقه، ووصولًا إلى أخذ رأيه لمشاركته في النصب على زبائن إحدى الساقطات، حتى يستطيع توفير نفقات الزواج، ليظهر الضريح كفضاء محوري يحرك السرد ويكشف تضاريس شخصية "عوض".

في المقابل، في الكيت كات، يظهر ضريح (سيدي المغربي) في مشهد قصير يبرز هشاشة فاطمة وانكسارها النفسي، أكثر من كونه محورًا للأحداث، وذلك عندما قابلت "يوسف" الفنان "شريف منير" أثناء مروره في الشارع، ولم يعِرها أي اهتمام، فعجزت عن التعبير عن مشاعرها أو لفت نظره. هنا يضع عبد السيد الضريح في حدود وظيفته الرمزية، مرآة لمعاناة المهمشين، ومكانًا للجوء حين تعجز الشخصيات عن مواجهة واقعها الاجتماعي الصعب، هذا التباين بين المحوري والثانوي من خلال الفيلمين، يوضح قدرة عبد السيد على توظيف المكان بحسب الضرورة الدرامية، وفي الوقت ذاته يعكس مستويات مختلفة من العلاقة بين الفرد والمكان "الضريح".

 

الموروث الجمعي وزيارة أولياء الله
 

من خلال اعتراف "عوض": "أنا أول مرة أجيلك يا سيدي أبو العلامات… أمي دايمًا بتجيلك أمي شكرية بنت عطيات"، يقدّم داود عبد السيد العلاقة بالمقدّس باعتبارها امتدادًا لموروث شعبي راسخ في وعي الطبقات المهمشة، الأم هنا تعمل كحلقة وصل تنقل الثقة بالمقدس وتمنحها شرعية الاستمرار، مانحة عوض عمقًا شخصيًا مرتبطًا بالذاكرة العائلية، لكنه في الوقت نفسه جزء من ثقافة جماعية ترى في الولي ملاذًا طبيعيًا عند الضيق.

أما علاقة "فاطمة" بالضريح في فيلم الكيت كات، فهي تنبع مباشرة من وعي الحارة الجمعي، بلا وسيط أسري، حاضرًا في اللاوعي الشعبي ومتداولًا بين الجميع، مما يعكس قوة الموروث الشعبي المستمر في حياة المهمشين. يصبح الضريح ملاذًا فوريًا لحظة الانكسار، ومن خلال هذا أبرز عبد السيد المقدس الشعبي ليجسد الصراع النفسي والاجتماعي عبر مختلف الشخصيات.

 

رمزية الوقت في زيارات الضريح
 

 اختيار "عوض" زيارة الضريح في ساعات الفجر المبكرة كان متعمدًا، حين تهدأ المدينة ويغمر المكان صمت ووحدة، ما يمنحه الخصوصية لمواجهة نفسه بعيدًا عن أعين الآخرين، رمزية هذا التوقيت تكمن في أنه يعكس شعوره بخطئه ورغبته في الحصول على مبرر أو اعتراف داخلي بأفعاله المشينة، الفجر يمثل فرصة للتفكر العميق والتصالح مع الضمير، وهدوء الصباح ووحدته يمنحانه اللحظة المناسبة لمواجهة نفسه بصراحة ووعي تام.

بينما كان ذهاب "فاطمة" للضريح عفويًا، كرد فعل صادق وفوري لموقف، اختار داوود عبد السيد توقيت الظهر ليبرز هذه العفوية، ويُظهر استعداد "فاطمة" لمواجهة الواقع والتعبير عن مشاعرها بصراحة، رغم هشاشة وضعها النفسي والاجتماعي، فالشمس في وضح النهار ووجود المارة حولها، تجعل اللحظة مكشوفة ومباشرة، كما يعكس توقيت النهار شخصيتها الجريئة والصريحة، وإفصاحها لاحقًا عن مشاعرها ليوسف دون خوف أو خجل.

 

السرد البصري يكشف الاختناق النفسي
 

بالرغم من اختلاف السياق، يتشارك الفيلمان في التكوينات البصرية التي تعكس العلاقة بين الشخصية والمكان، فكاميرا داوود عبد السيد تضع "فاطمة" و"عوض" خلف شباك حديدي خاص بالضريح نفسه، كما لو كان كل منهما محاصرًا داخل وضعه الاجتماعي والنفسي، محاطًا بالرمزية الدينية والسلطة الروحية للمكان، الكادرات القريبة والتصوير من زوايا متعددة تجعل الضريح شريكًا في السرد، لا مجرد خلفية، وتضفي شعورًا بالاختناق والضغط النفسي، ما يعكس عمق مأزق الشخصيات ويجعل المشاهد يشاركهم شعور القيد والرهبة، في كلتا الحالتين، يصبح المشهد البصري مرآة للقيود الداخلية والخارجية، ويعكس هشاشة الإنسان أمام الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدًا قدرة عبد السيد على توظيف المكان والضوء والزوايا للتعبير عن الصراع النفسي والاجتماعي للشخصيات.

 

بهذا، يبرهن عبد السيد أن السينما يمكن أن تجعل الروحانيات الشعبية مرآة للواقع الاجتماعي والنفسي، وأن الضريح ليس مجرد مكان مقدس، بل فضاء للقاء الإنسان مع ضعفه، وأمله، ويأسه، ورغبته في النجاة.


 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر