لم يكن اللجوء إلى أولياء الله الصالحين في أفلام المخرج والمؤلف داوود عبد السيد مجرد انعكاس لملمح اجتماعي مألوف في البيئة الشعبية، بل جاء بوصفه اختيارًا واعيًا يكشف عن لحظة الانكسار الإنساني لدى شخصياته، حين يعجز الواقع عن تقديم حلول، في فيلمي الكيت كات (1991) وسارق الفرح (1995)، يقدّم عبد السيد نموذجين مختلفين للجوء إلى الضريح، عبر شخصيتي "فاطمة" الفنانة "عايدة رياض، و"عوض" الفنان "ماجد المصري"، كاشفًا الفارق بين من يسعى للخلاص الحقيقي، ومن يريد مجرد علامة تمنحه الاطمئنان وتتيج له اتخاذ قراره بثقة.
المكان وأهميته في السرد: من مركزية الضريح إلى هامشيته
ضريح (سيدي أبو العلامات) في فيلم سارق الفرح ليس مجرد مكان عابر، بل يشكّل محورًا أساسيًا للأحداث، فكل قرار يتخذه "عوض"، وكل مأزق يواجهه، يمر عبر الضريح، الذي يتحول إلى مرجعية أخلاقية وشريك في حياته اليومية. يكرّر "عوض" زياراته أكثر من مرة، طالبًا علامة ليتأكد من إمكانية زواجه من أحلام، الفنانة "لوسي"، مرورًا باستئذانه سرقة شقيقه، ووصولًا إلى أخذ رأيه لمشاركته في النصب على زبائن إحدى الساقطات، حتى يستطيع توفير نفقات الزواج، ليظهر الضريح كفضاء محوري يحرك السرد ويكشف تضاريس شخصية "عوض".
في المقابل، في الكيت كات، يظهر ضريح (سيدي المغربي) في مشهد قصير يبرز هشاشة فاطمة وانكسارها النفسي، أكثر من كونه محورًا للأحداث، وذلك عندما قابلت "يوسف" الفنان "شريف منير" أثناء مروره في الشارع، ولم يعِرها أي اهتمام، فعجزت عن التعبير عن مشاعرها أو لفت نظره. هنا يضع عبد السيد الضريح في حدود وظيفته الرمزية، مرآة لمعاناة المهمشين، ومكانًا للجوء حين تعجز الشخصيات عن مواجهة واقعها الاجتماعي الصعب، هذا التباين بين المحوري والثانوي من خلال الفيلمين، يوضح قدرة عبد السيد على توظيف المكان بحسب الضرورة الدرامية، وفي الوقت ذاته يعكس مستويات مختلفة من العلاقة بين الفرد والمكان "الضريح".
الموروث الجمعي وزيارة أولياء الله
من خلال اعتراف "عوض": "أنا أول مرة أجيلك يا سيدي أبو العلامات… أمي دايمًا بتجيلك أمي شكرية بنت عطيات"، يقدّم داود عبد السيد العلاقة بالمقدّس باعتبارها امتدادًا لموروث شعبي راسخ في وعي الطبقات المهمشة، الأم هنا تعمل كحلقة وصل تنقل الثقة بالمقدس وتمنحها شرعية الاستمرار، مانحة عوض عمقًا شخصيًا مرتبطًا بالذاكرة العائلية، لكنه في الوقت نفسه جزء من ثقافة جماعية ترى في الولي ملاذًا طبيعيًا عند الضيق.
أما علاقة "فاطمة" بالضريح في فيلم الكيت كات، فهي تنبع مباشرة من وعي الحارة الجمعي، بلا وسيط أسري، حاضرًا في اللاوعي الشعبي ومتداولًا بين الجميع، مما يعكس قوة الموروث الشعبي المستمر في حياة المهمشين. يصبح الضريح ملاذًا فوريًا لحظة الانكسار، ومن خلال هذا أبرز عبد السيد المقدس الشعبي ليجسد الصراع النفسي والاجتماعي عبر مختلف الشخصيات.
رمزية الوقت في زيارات الضريح
اختيار "عوض" زيارة الضريح في ساعات الفجر المبكرة كان متعمدًا، حين تهدأ المدينة ويغمر المكان صمت ووحدة، ما يمنحه الخصوصية لمواجهة نفسه بعيدًا عن أعين الآخرين، رمزية هذا التوقيت تكمن في أنه يعكس شعوره بخطئه ورغبته في الحصول على مبرر أو اعتراف داخلي بأفعاله المشينة، الفجر يمثل فرصة للتفكر العميق والتصالح مع الضمير، وهدوء الصباح ووحدته يمنحانه اللحظة المناسبة لمواجهة نفسه بصراحة ووعي تام.
بينما كان ذهاب "فاطمة" للضريح عفويًا، كرد فعل صادق وفوري لموقف، اختار داوود عبد السيد توقيت الظهر ليبرز هذه العفوية، ويُظهر استعداد "فاطمة" لمواجهة الواقع والتعبير عن مشاعرها بصراحة، رغم هشاشة وضعها النفسي والاجتماعي، فالشمس في وضح النهار ووجود المارة حولها، تجعل اللحظة مكشوفة ومباشرة، كما يعكس توقيت النهار شخصيتها الجريئة والصريحة، وإفصاحها لاحقًا عن مشاعرها ليوسف دون خوف أو خجل.
السرد البصري يكشف الاختناق النفسي
بالرغم من اختلاف السياق، يتشارك الفيلمان في التكوينات البصرية التي تعكس العلاقة بين الشخصية والمكان، فكاميرا داوود عبد السيد تضع "فاطمة" و"عوض" خلف شباك حديدي خاص بالضريح نفسه، كما لو كان كل منهما محاصرًا داخل وضعه الاجتماعي والنفسي، محاطًا بالرمزية الدينية والسلطة الروحية للمكان، الكادرات القريبة والتصوير من زوايا متعددة تجعل الضريح شريكًا في السرد، لا مجرد خلفية، وتضفي شعورًا بالاختناق والضغط النفسي، ما يعكس عمق مأزق الشخصيات ويجعل المشاهد يشاركهم شعور القيد والرهبة، في كلتا الحالتين، يصبح المشهد البصري مرآة للقيود الداخلية والخارجية، ويعكس هشاشة الإنسان أمام الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدًا قدرة عبد السيد على توظيف المكان والضوء والزوايا للتعبير عن الصراع النفسي والاجتماعي للشخصيات.
بهذا، يبرهن عبد السيد أن السينما يمكن أن تجعل الروحانيات الشعبية مرآة للواقع الاجتماعي والنفسي، وأن الضريح ليس مجرد مكان مقدس، بل فضاء للقاء الإنسان مع ضعفه، وأمله، ويأسه، ورغبته في النجاة.
اختيار التوقيت: رسالة سرية وخفية ضد الاضطرار
اختيار التوقيت في زيارات الضريح في الفيلمين ليس عشوائيًا، "فاطمة" في النهار، و"عوض" في الفجر، كل منهما يعكس طبقة مختلفة من العلاقة بالمكان وبالمجتمع، الضهر مع الضوء العام والناس حولها، يجعل زيارة "فاطمة" مواجهة للعالم الخارجي، يبرز هشاشة موقفها الاجتماعي والنفسي، ويحول لحظة الدعاء إلى إعلان للعجز والانكسار، بينما الفجر والمدينة نائمة، يمنح عوض مساحة سرية، حيث يصبح الضريح أداة للتفاوض مع الضمير، ووسيلة للحصول على إذن ضمني، وليس مجرد ملاذ روحي، هذه المفارقة الزمنية تضيف بعدًا نفسيًا بالغ العمق، يكشف كيفية تحويل عبد السيد للطقوس الشعبية إلى أداة سردية قوية.
كما أن زيارة "فاطمة" للضريح في الكيت كات تأتي عفوية وغير مقصودة، فور شعورها بالإحباط بعد تجاهل يوسف لها، وتحدث في النهار أمام العامة، مما يحوّل الضريح من ملاذ روحي خاص إلى فضاء مواجه للعالم الخارجي، يعكس هشاشة وضعها النفسي والاجتماعي. الضوء والناس حولها يجعلون لحظة دعائها علنية، معلنة عن عجزها وانكسارها، وكأنها تسلّم نفسها للغيب تحت ضغط الواقع.
في المقابل، زيارات عوض في سارق الفرح تتم بهدف مقصود وواضح، وتحدث في ساعات الفجر المبكرة حين يكون الضريح شبه خالٍ، ما يمنحه مساحة سرية للتفكير والمصالحة مع ضميره. الضريح هنا يصبح أداة تفاوض رمزية: يطلب منه عوض علامة تبرره على أفعاله المتناقضة، بدل أن يكون مجرد ملاذ روحاني. الفجر والوحدة يمنحان زياراته خصوصية كاملة، ويبرزان التباين بين العفوية الناتجة عن الاضطرار عند فاطمة، والقصدية المخططة عند عوض.
اختيار عبد السيد التوقيت في زيارات الضريح في الفيلمين ليس عشوائيًا زيارات عوض في سارق الفرح تتم بقصد واضح ومتوارثة من والدته كطقس عائلي، ما يمنحها بعدًا مزدوجًا: دينيًا واجتماعيًا. يذهب إلى الضريح في ساعات الفجر المبكرة حين تكون المدينة شبه نائمة، ما يضفي على العلاقة بعدًا سريًا وخاصًا، ويمنحه مساحة للتفكير والمصالحة مع ضميره بعيدًا عن أعين الآخرين، الضريح هنا يتحوّل إلى أداة تفاوض رمزية، إذ يطلب منه علامة تبرره على أفعاله المتناقضة، بدل أن يكون مجرد ملاذ روحاني. الوحدة والهدوء يعكسان القصدية المخططة، ويبرز دور الموروث الأسري في تكوين علاقة شخصية وعميقة بالمقدس، مع الحفاظ على ارتباطه بالموروث الشعبي العام.
على النقيض، زيارة فاطمة للضريح في الكيت كات تأتي عفوية وغير مقصودة، فور شعورها بالإحباط بعد تجاهل يوسف لها. تحدث في النهار، أمام العامة، مما يحوّل الضريح من ملاذ روحاني خاص إلى فضاء مواجهة مع العالم الخارجي. الضوء والناس حولها يجعلون لحظة الدعاء علنية، معلنة عن عجزها وانكسارها، وكأنها تسلّم نفسها للغيب تحت ضغط الواقع. هذه العفوية في التوقيت والحدث تعكس هشاشة وضعها النفسي والاجتماعي، وتوضح الفارق بين القصدية المخططة عند عوض والزيارة العفوية الناتجة عن الانكسار عند فاطمة.
عوض يطلب من سيدي أبو العلامات “العلامة” لأنه يريد تبرير أفعاله ورفع ثقل الضمير عنه. هو يعلم أنه يفعل شيئًا خاطئًا—سواء في محاولاته للتقرب من لوسي أو التفكير في خطوات الزواج—ولكنه يبحث عن غطاء روحي أو بركة مقدسة تمنحه شعورًا بالأمان والشرعية، وكأن الضريح يمنحه إذنًا ضمنيًا للقيام بما يريد دون تأنيب ضمير.
في كلتا الحالتين، يصبح الضريح فضاءً كشفياً للمعاناة البشرية، مرآة للصراعات الداخلية، وأداة لفهم هشاشة الإنسان المهمش أمام الحياة الصعبة.
في «الكيت كات»، تلجأ فاطمة إلى ضريح سيدي المغربي بعد أن يتجاهلها يوسف، ليس بدافع الإيمان الصافي، بل نتيجة العجز والضغط النفسي. يظهر الضريح مهمشًا ومهملًا، يعكس تراجع الاهتمام بهذه الفضاءات الروحية في ظل التحولات الاجتماعية والمادية، حيث أصبح تأمين الاحتياجات الأساسية أولوية على الطمأنينة الروحية.
لغة جسد فاطمة تعكس هذا الانكسار: راكعة، باكية، محاصرة داخل كلوز-أب قريب يوحي بالحبس والاختناق، بينما يوازن حوارها بين الرجاء والتهديد:
"مبقتش عارفة طعم اللقمة مصاريني بتنهش قلبي.. بس إدهوني يا سيدي المغربي.. لإما هموت نفسي أنا بحبه"
يصبح الضريح هنا رمزًا مزدوجًا: تهميش مادي واجتماعي، وانكسار نفسي داخلي. فاطمة لم تختار الضريح عن قصد، بل لجأت إليه بعد شعورها بالخذلان من يوسف، لتجد في الدعاء والخضوع قوة غيبية تلجأ إليها.
تشابه بصري… واختلاف دلالي
الضريح كمرآة للصراع: التشابه البصري واختلاف الدوافع عند عبد السيد
يلتقي الفيلمان بصريًا في تكوينات لافتة، حيث يُصوَّر كل من فاطمة وعوض من خلف شبابيك حديدية صغيرة، في لقطات (كلوز-أب) تركز على وجهيهما ولغة جسدهما، لتوحي بالشعور بالحبس والقيود الاجتماعية والانكسار الداخلي، ورغم التشابه البصري، يختلف المعنى والدوافع: فاطمة "عايدة رياض" تأتي إلى الضريح عفويًا ودافعها الانكسار النفسي والعجز الاجتماعي لأن يوسف "شريف منير" لا يدرك مشاعرها نحوه، بينما عوض "ماجد المصري" يتوجه إليه قصدًا طالبًا علامة تبرر أفعاله وتخفف وزر الذنب.
الحوارات في كلا المشهدين تجمع بين التوسل والرجاء، لتبرز الضريح كملاذ أخير أو كسلطة تمنح الإذن، هذا التشابه في التكوينات يعكس رؤية داود عبد السيد الموحدة في تصوير المهمشين: سواء كانوا شبابًا أو نساء، فإن الضريح يصبح مرآة للصراع النفسي والاجتماعي، ومساحة للكشف عن اليأس والحاجة إلى القوة الغيبية، مع الحفاظ على اختلاف التجربة الإنسانية والدافع النفسي لكل شخصية.
فاطمة تقف أمام الضريح منكشفة، بلا حيل.
عوض يقف أمامه مفاوضًا، يحاول تمرير ما يريد.
لا يمكن قراءة مونولوج عوض أمام ضريح «سيدي أبو العلامات» في سارق الفرح بوصفه دعاءً تقليديًا أو لحظة تدين خالص، بل هو مشهد كاشف لبنية الوعي الشعبي كما يراها داود عبد السيد، حيث تختلط البراءة بالقسوة، والذنب بالحب، والإيمان بالمساومة. عوض لا يدخل الضريح متطهّرًا، بل محمّلًا باعترافات صادمة، يحكي عن ضربه لحبيبته، وعن غيرته العنيفة، وعن فقره وعجزه، دون أي محاولة لتجميل ذاته. هذا الاعتراف الفج، في حد ذاته، يضع الضريح في موقع غير مألوف: ليس مكانًا للغفران، بل ساحة للكلام المكبوت.
التوارث الأسري والولاء للمقدس: كيف يربط داود عبد السيد بين الماضي والضريح
عندما يقول عوض في فيلم «سارق الفرح»:
"أنا أول مرة أجيلك يا سيدي أبو العلامات… أمي دايما بتجيلك أني شكرية بنت عطيات"
يكشف الحوار عن بعد مزدوج: أولاً، الارتباط الأسري بالمقدس؛ فزيارة الأم المتكررة للضريح تُظهر توريث الطمأنينة الروحية والممارسات الشعبية من جيل إلى جيل. الأم هنا ليست شخصية ثانوية، بل جسر يربط بين الماضي والحاضر، بين التقاليد والمحن اليومية. توجيهها لعوض في طفولته، وإيمانها بأن «الولي يعرف كل شيء»، يرسخ في ذهنه أن الضريح هو سلطة حقيقية يمكن اللجوء إليها عند ضيق الحال أو تضارب الرغبات.
ثانيًا، يظهر تأثير الموروث الاجتماعي على تكوين شخصية عوض: هو لا يتصرف بمفرده، بل جزء من منظومة قيم متوارثة، حيث العاطفة، الالتزام الأسري، والبحث عن البركة الدينية تشكل كل قراراته. مشاعره المعقدة تجاه لوسي، وخوفه من ارتكاب الخطأ، ليست مجرد نزوات شخصية، بل انعكاس لتنشئته على احترام الرموز الدينية والاجتماعية، حتى في أفعال يومية تبدو عادية.
من الاعتراف إلى المساومة: دلالات لجوء عوض إلى «سيدي أبو العلامات»
لا يمكن قراءة مونولوج عوض أمام ضريح «سيدي أبو العلامات» في سارق الفرح بوصفه دعاءً تقليديًا أو لحظة تدين خالص، بل هو مشهد كاشف لبنية الوعي الشعبي كما يراها داود عبد السيد، حيث تختلط البراءة بالقسوة، والذنب بالحب، والإيمان بالمساومة. عوض لا يدخل الضريح متطهّرًا، بل محمّلًا باعترافات صادمة، يحكي عن ضربه لحبيبته، وعن غيرته العنيفة، وعن فقره وعجزه، دون أي محاولة لتجميل ذاته. هذا الاعتراف الفج، في حد ذاته، يضع الضريح في موقع غير مألوف: ليس مكانًا للغفران، بل ساحة للكلام المكبوت.
اللافت أن عوض لا يطلب المغفرة، ولا يسأل عن الصواب والخطأ، بل يطلب «علامة». السؤال هنا ليس أخلاقيًا، بل عملي: هل أُقدِم أم أتراجع؟ وهنا تكمن إحدى أهم دلالات توظيف عبد السيد للأولياء الصالحين؛ فالضريح يتحول من مرجعية روحية إلى سلطة بديلة تمنح الإذن أو تمنعه. في ظل غياب الأب، وانعدام العدالة الاجتماعية، يصبح الولي هو الحكم الأخير.
يُظهر المونولوج كذلك كيف ينظر عوض إلى الولي بوصفه كائنًا عليمًا بكل شيء: «تلاقيك عارفها طبعًا… عارف كل حاجة». هذه المعرفة المطلقة تُسقِط الحاجة إلى المحاسبة، فطالما أن الولي «يعرف»، فلا داعي للتبرير أو التوبة. الإيمان هنا ليس طريقًا للتغيير، بل آلية لتسكين القلق.
بهذا المونولوج، ينجح سارق الفرح في تقديم واحدة من أكثر صور اللجوء إلى الأولياء تعقيدًا في السينما المصرية. ليس لأنها تدين الإيمان، بل لأنها تكشف هشاشته حين يُترك وحده في مواجهة الفقر، والعجز، والرغبة. وفي هذا الكشف، تتجلى رؤية داود عبد السيد: الإنسان لا يلجأ إلى الغيب لأنه ضعيف، بل لأنه لم يُترك له خيار آخر.
في الزيارة الثانية لضريح «سيدي أبو العلامات»، يبلغ صراع عوض الداخلي ذروته. هذه المرة لا يأتي طالبًا تحقيق حلم، بل محمّلًا بشعور واضح بعدم الارتياح. هو يعرف أنه على وشك ارتكاب خطأ: سرقة ملابس شقيقه وبيعها. لذلك تأتي صيغة الدعاء مختلفة، أكثر توترًا، وأقرب إلى التوسل المشوب بالخوف:
«إديني علامة… بس والنبي بلاش لكاعة».
الخوف هنا ليس من الفعل ذاته، بل من العاقبة. عوض لا يطلب الهداية، بل يطلب علامة «آمنة» لا تؤذيه، وكأن العقاب هو المشكلة، لا الذنب. داود عبد السيد يلتقط هذه المنطقة الرمادية بدقة: الإيمان الشعبي لا يعمل هنا كميزان أخلاقي، بل كوسيلة لتخفيف القلق.
الحلم الذي يراه عوض بلوسي في صورة حورية، يكشف عن تداخل لافت بين المقدس والرغبة. فالمشهد، بما يحمله من استعراض وإيحاءات جسدية، لا ينفصل عن سياق الضريح، بل يحدث داخله، ليؤكد أن وعي عوض لا يعرف الفصل بين الروحي واليومي، بين الدعاء والشهوة. سقوط الإناء عليه بعد الحلم يتحول فورًا إلى «علامة»، لا لأنه يحمل معنى واضحًا، بل لأنه حدث في اللحظة المناسبة. الصدفة هنا تصبح قدرًا، والقدر يصبح إذنًا
إصرار عوض على العلامة: البحث عن تبرير لا عن الهداية
في المرة الثانية والثالثة التي يذهب فيها عوض إلى سيدي أبو العلامات، هو ليس في حالة شك بريئة أو بحث عن إجابة روحية محضة، بل هو مدرك داخليًا أن ما يفعله خاطئ: سرقة ملابس شقيقه، أو المشاركة في النصب مع إحدى العاهرات. هنا الضريح لا يمنحه إجابة صواب/خطأ، بل يصبح شريكًا في التبرير.
فاطمة وسيدي المغربي: الضريح كملاذ منسي ومعبر عن التهميش
في فيلم «الكيت كات»، يمثل ضريح سيدي المغربي أكثر من مجرد موقع ديني؛ إنه رمز للتهميش المكاني والاجتماعي. تظهر حالة الإهمال والتدهور في المشهد الأول، حيث الضريح خالٍ من الزوار، ويفتقر للصيانة، ما يعكس غياب الدولة والمجتمع عن هذه الفضاءات الروحية، وتحولها إلى أماكن منسية ضمن النسيج العمراني الشعبي. هذا التهميش المكاني يوازيه تهميش نفسي واجتماعي، فالشخصيات التي تلجأ إلى الضريح، مثل فاطمة، تعكس هشاشة الفرد في مواجهة واقع قاسٍ.
فاطمة، التي تتجاهلها مشاعر يوسف أو تتوارى أمامها، تجد في الضريح ملاذاً أخيراً. توضح لغة جسدها في المشهد – ركوعها على ركبتيها، دموعها، وكادرات الكلوز أب القريبة التي تحاصرها من كل جانب – شعورها بالاختناق والعجز، وكأن الضريح هو المكان الوحيد الذي يسمح لها بالتعبير عن ألمها الداخلي دون حكم أو رقابة. حوارها الذي يتراوح بين التهديد والرجاء:
"مبقتش عارفة طعم اللقمة مصاريني بتنهش قلبي يا سيدي المغربي.. بس إدهوني يا سيدي المغربي.. لإما هموت نفسي أنا بحبه"
يكشف يأسها المطلق ويحوّل الضريح إلى مرآة لمعاناتها النفسية والاجتماعية، ويبرز دلالة مزدوجة: فهو مكان مهمش مادياً واجتماعياً، ولكنه يتحول في الوقت نفسه إلى رمز للخلاص الشخصي حين تعجز الخيارات الأرضية عن منحه.
الدلالة النفسية والدرامية
• من الناحية النفسية، هذا السلوك يعكس حاجة الإنسان البسيط إلى سلطة خارجية لتخفيف القلق الداخلي، خصوصًا في ظل الفقر وضيق الإمكانيات.
• دراميًا، يجعل عبد السيد الضريح عنصرًا محوريًا في البناء السردي: ليس مجرد مكان للعبادة، بل فضاء يتحول فيه الصراع الداخلي إلى فعل مرئي ومؤثر.
• كما أنه يُظهر الفرق بين الشخصيات: فاطمة تلجأ إلى الضريح كملاذ أخير بعد الانكسار الكامل، أما عوض فيوظف الضريح بشكل وظيفي لتحقيق هدفه الشخصي.
1. الضريح في سارق الفرح: محور الدراما
في سارق الفرح، ضريح سيدي أبو العلامات ليس مجرد خلفية، بل عنصر محوري في السرد:
• عوض يعتمد على الضريح مرشدًا في اتخاذ القرارات، ويعود إليه عدة مرات في مواقف مختلفة (الزواج، السرقة، النصب)، فيصبح الضريح سلطة بديلة تعوّض غياب الأب، غياب الدولة، أو غياب مجتمع عادل.
• الضريح هنا مرتبط بكل مراحل الصراع النفسي للبطل، من الاضطراب العاطفي إلى التردد الأخلاقي، وحتى البحث عن تبرير لأفعاله.
• يمكن اعتباره شريكًا دراميًا في أحداث الفيلم، لأنه يحدد حركة عوض ويعكس داخله: كل علامة أو حدث غيبي (حمامة، سقوط إناء، البرق) تتحول إلى عنصر مؤثر في القرار والفعل.
بعبارة أخرى، الضريح في هذا الفيلم هو محور الحبكة وليس مجرد مساحة روحانية.
2. الضريح في الكيت كات: لحظة انكسار شخصي
في المقابل، في الكيت كات:
• ضريح سيدي المغربي يظهر مرة واحدة فقط، في مشهد قصير، مرتبط بتجربة فاطمة النفسية فقط.
• الضريح هنا ليس أداة للتوجيه أو القرار، بل ملاذ أخير في لحظة يأس شديد، عندما تشعر بالخذلان من يوسف وتدفعها الظروف الاجتماعية والنفسية إلى اللجوء إليه.
• المشهد يركز على التوتر العاطفي والجانب النفسي المكثف: لغة الجسد، الكلوز أب، الدموع، والتهديد/التوسل. الضريح يصبح مرآة لانكسار شخصية واحدة، وليس عنصرًا محوريًا في تطور الأحداث.
3. السبب الأساسي للاختلاف
الفرق يعود إلى وظيفة الضريح في بناء السرد لكل شخصية:
1. توقيت زيارة فاطمة: الضهر وأمام الناس
• فاطمة تذهب في عز النهار، ووجودها في الضريح مكشوف أمام العامة، حتى لو كان الضريح مهمشًا، يعكس حالة الاضطرار واليأس الشديد.
• هذا التوقيت يرمز إلى العجز الاجتماعي والنفسي: هي لا تختار الخصوصية أو السرية، بل تطرح ضعفها في العلن، وكأن كل من حولها يمكن أن يشهد على حالة انكسارها.
• وجود الناس حولها – حتى وإن كانوا بعيدين – يعكس مواجهة الواقع الاجتماعي الملموس، ويزيد من شعور العزلة والضغط النفسي: الضريح هنا ليس ملاذًا آمنًا كاملًا، بل فضاءً مواجهًا للعالم الخارجي.
2. توقيت زيارة عوض: بداية الفجر وحده
• عوض يذهب في ساعات الفجر المبكرة، حين يكون الضريح شبه خالٍ، والمدينة نائمة، ما يرمز إلى سرية العلاقة مع المقدس.
• هذا التوقيت يعبّر عن الجانب العملي والوظيفي للضريح: هو ليس مجرد ملاذ نفسي، بل مكان للتفاوض مع الضمير والحصول على "علامة" لمواقفه المتناقضة.
• الوحدة في الفجر تمنح عوض خصوصية كاملة للتفكير واتخاذ القرار، في تناقض واضح مع فاطمة، التي تظهر انكسارها أمام الجميع
المخرج داود عبد السيد يستخدم التكوين البصري والكلوز أب بذكاء ليجعل المشاهد يشعر بمحدودية مساحة فاطمة، وكأنها محاصرة، مقيدة، وتحت رحمة قوة غيبية تتوسل إليها. فالضريح هنا ليس مجرد ديكور خلفي، بل فضاء درامياً حياً يساهم في سرد القصة وكشف الداخل النفسي للشخصية.
من خلال هذا المشهد، يقدم عبد السيد رؤية إنسانية عميقة عن اللجوء الشعبي إلى المقدس: ليس دائماً عن إيمان راسخ أو طقس ديني، بل كاستجابة يائسة لضغوط اجتماعية واقتصادية وشخصية. فالضريح يصبح ملاذاً منسيًا للأفراد المهمشين، مرآة لانكسارهم، ومساحة للبحث عن أي علامة تمنحهم الأمل.
الخاتمة: الضريح كشريك صامت
من خلال الضريح، يكشف داود عبد السيد عن قدرة السينما على تحويل الموروث الشعبي إلى أداة درامية. فهو لا يسخر من الإيمان، ولا يمجده، بل يضعه في قلب السرد ليروي حكاية الإنسان البسيط الذي يلتجئ إلى الغيب حين تنفد خياراته. سواء كان الملاذ الأخير لفاطمة أو سلطة بديلة لعوض، يظل الضريح شريكًا صامتًا في حياة البسطاء، يعكس قهرهم ويمنحهم فسحة للتنفس في عالم ضاق عليهم.
بهذه الطريقة، ينجح عبد السيد في جعل الأضرحة وأولياء الله الصالحين جزءًا حيًا من النص السينمائي، يعكس الواقع الاجتماعي للمهمشين، ويحوّل الطقس الشعبي إلى آلية لبقاء الإنسان أمام الضغوط، وسط عالم لا يمنحه سوى الانتظار والدعاء.