جمال عبد الناصر يكتب : شاكيرا جسد يعبر الثقافات..قراءة أنثروبولوجية وإثنوسينولوجية

النجمة شاكيرا النجمة شاكيرا
 
كتب جمال عبد الناصر

لم تولد شاكيرا نجمةً مكتملة الضوء، بل صعدت ببطء، بخطوات عنيدة، وبصوت يعرف كيف يشقّ طريقه وسط الضجيج، أحبّها الناس قبل أن تتبناها القوائم، وآمنوا بموهبتها قبل أن تعترف بها الأسواق، وكانت تغنّي وكأنها تروي حكايتها الخاصة، وترقص وكأن الجسد لغة أخرى للصوت، فبدت مختلفة منذ اللحظة الأولى، لا تشبه أحدًا ولا تكرر سواها، وفي عالم لا يرحم البدايات المتعثرة، استطاعت شاكيرا أن تحوّل الخسارة إلى وقود، والفشل إلى وعد، لتصبح واحدة من أكثر نجمات الموسيقى تأثيرًا وشهرة في العالم.

ووفق منظور أنثروبولوجيا المسرح كما صاغه يوجينيو باربا، لا يُنظر إلى الجسد على الخشبة باعتباره أداة عرض، بل باعتباره خزانًا للذاكرة الثقافية ووسيطًا للمعنى قبل الكلمة، وفي هذا السياق، يمكن قراءة جسد شاكيرا بوصفه جسدًا مُعاد التشكيل وفق ما سماه باربا القوانين البراجماتية للأداء، تلك القوانين التي تُنظّم الطاقة، والتوازن، واللا-توازن، والشد العضلي، وتحويل الحركة اليومية إلى حركة مُكثّفة تحمل بعدًا طقسيًا، وشاكيرا لا ترقص كما يُرقص في الحياة اليومية، بل تُخضع الجسد إلى اقتصاد طاقة صارم، حيث تصبح كل حركة ناتجة عن توتر داخلي محسوب، وكل اهتزاز أو انثناء فعلاً دلاليًا لا زخرفيًا، وجسدها، وفق هذا المنظور، لا يُمثّل الموسيقى، بل يُنتجها بصريًا، ويحوّل الإيقاع إلى حدث جسدي قائم بذاته.

ومن منظور الإثنوسينولوجيا التي تدرس الأشكال الأدائية في سياقاتها الثقافية والطقسية يمكن فهم أداء شاكيرا المسرحي باعتباره منطقة التقاء بين ثقافات جسدية متعددة: اللاتينية، والشرق أوسطية، والإفريقية، والمعاصرة، فشاكيرا لا تستعير الرقصات بوصفها فولكلورًا معروضًا، بل تعيد توطينها داخل جسد معاصر، حيث يصبح الجسد نفسه مساحة تفاوض بين الهوية والفرجة، وعلى المسرح، يتحول أداؤها إلى طقس حديث، تتجاور فيه الحركات ذات الجذور الشعبية مع تقنيات العرض الجماهيري، فينتج جسدٌ هجين، قادر على مخاطبة جمهور عالمي دون أن يفقد جذوره، وفي هذا السياق، لا تُقرأ شاكيرا كمطربة فحسب، بل كـجسد أدائي يعيد صياغة العلاقة بين الموسيقى، والرقص، والهوية، ويجعل من الحفل الغنائي حدثًا إثنوسينولوجيًا يعكس تحولات الجسد في زمن العولمة.

وفي رحلتي بين كلمات الجسد ونبضات المسرح، كانت دروس الدكتورة مها العوضي مثل الضوء الذي يكشف خبايا الحركة والإيقاع، فتحولت معارفها عن أنثروبولوجيا المسرح والإثنوسينولوجيا إلى عدسة أرى بها الرقص والأداء والجسد، وأتمكن من قراءة كل اهتزاز، وكل حركة، وكل لحظة على الخشبة بوصفها نصًا حيًا يتحدث بلغات الثقافة والهوية.

شاكيرا اليوم تحتفل بعيد ميلادها، فهي مواليد 2 فبراير 1977 (49 سنة)، ولكن البدايات لم تكن رحيمة بالنسبة لها فقد أصدرت شاكيرا أول ألبومين في مسيرتها، «سحر» عام 1991 و«خطر» عام 1993، ورغم احتوائهما على ملامح صوتية واعدة، فإنهما فشلا تجاريًا ولم يحققا الانتشار المتوقع. كان يمكن لتلك التجربة أن تُنهي حلم فتاة صغيرة، لكنها عند شاكيرا تحولت إلى درس قاسٍ في الصبر وإعادة الاكتشاف، واختارت أن تتوقف قليلًا، أن تعيد بناء نفسها فنيًا، وأن تبحث عن صوتها الحقيقي بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

التحول الكبير جاء منتصف التسعينيات، مع ألبوم «حافي القدمين» عام 1995، ثم «أين اللصوص؟»، حيث صعدت شاكيرا إلى الصدارة في العالم الناطق بالإسبانية، وفي هذين الألبومين، أعلنت عن نفسها كفنانة كاملة: تكتب، وتلحّن، وتغنّي، وتتمرّد، وكان صوتها قويًا، خامًا، صادقًا، يحمل غضبًا أنثويًا وحنينًا إنسانيًا، ويمزج الروك باللاتيني، والشعري بالسياسي، لتصبح رمزًا لجيل كامل من النساء.

الانفجار العالمي الحقيقي حدث عام 2001، مع ألبومها الأول باللغة الإنجليزية «خدمة الغسيل»، الذي باع أكثر من 13 مليون نسخة حول العالم، وعبر هذا الألبوم، تجاوزت شاكيرا حدود اللغة والجغرافيا، وقدّمت نموذجًا ناجحًا لما يُعرف بالموسيقى العابرة للثقافات.

بمرور السنوات، لم تكتفِ شاكيرا بالنجاح الجماهيري، بل رسّخت مكانتها كواحدة من أكثر الفنانات تأثيرًا في صناعة الموسيقى، وأصدرت عشرات الألبومات والأغاني، وقدمت ما يزيد عن 145 عملًا غنائيًا، وباعت أكثر من 95 مليون أسطوانة، لتصبح الفنانة اللاتينية الأكثر مبيعًا على الإطلاق، وفق تصنيفات مجلة (بيلبورد)/ كما اعتُبرت رائدة في إيصال الصوت اللاتيني إلى العالمية، وفتح الطريق أمام أجيال جديدة من الفنانين.

في العالم العربي، وبخاصة في مصر، حظيت شاكيرا بشعبية استثنائية، ولم تكن مجرد مغنية أجنبية، بل فنانة قريبة من الوجدان، بفضل جذورها العربية، ولمساتها الشرقية في بعض أعمالها، وأغنيات مثل " عيون كهذه " التي مزجت الإيقاعات اللاتينية بالموسيقى العربية، ورسّخت صورتها كنموذج عالمي للأنوثة والجمال والصوت المؤثر.

إلى جانب نجاحها الفني، حصدت شاكيرا عشرات الجوائز العالمية، من بينها جوائز غرامي وجرامي لاتينية وبيلبورد، وسجّلت أرقامًا قياسية في موسوعة جينيس، ونالت نجمة على ممشى المشاهير في هوليوود، فضلًا عن تكريمات ثقافية وإنسانية متعددة، كما لم تغب عن العمل الخيري، وأسست مؤسسة «بيرفوت» لدعم تعليم الأطفال، لتكمل صورة فنانة تدرك مسؤولية شهرتها.

قصة شاكيرا ليست فقط قصة نجومية، بل حكاية إصرار طويل، وامرأة بدأت من الفشل، وصعدت بالموهبة، واستمرت بالعمل، حتى أصبحت اسمًا يعرفه العالم كله، وهي نموذج للفنانة التي جمعت بين الأنوثة والقوة، بين الجسد والصوت، وبين المحلية والعالمية، لتثبت أن القمة لا تُمنح، بل تُنتزع خطوة خطوة.

 

 

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر