يطل علينا في النصف الثاني من شهر رمضان مسلسل "حكاية نرجس" بطولة الفنانة المتألقة ريهام عبد الغفور والمبدع حمزة العيلي، في مباراة تمثيلية رفيعة المستوى داخل قصة درامية ذات حبكة متقنة، وبرغم أن العمل مستوحى من قصة حقيقية، فإن الجمهور التف حول شاشات التلفاز لمتابعة أحداثه بشغف، خاصة مع الأداء اللافت والصادق لريهام عبد الغفور التي تجسد شخصية نرجس باحترافية كبيرة.
تجسد ريهام عبد الغفور في العمل شخصية امرأة تبدو هادئة الملامح وبريئة المظهر، لكنها تخفي في داخلها قدرًا كبيرًا من الشر، وتنعكس هذه التناقضات بوضوح على تعبيرات وجهها التي تحمل أحيانًا ملامح مخيفة، خاصة مع ظهورها في معظم المشاهد دون مساحيق تجميل، وكأنها تترك لملامحها الصادقة مهمة التعبير عن صراعاتها الداخلية و الضغوط النفسية العميقة التى تتعرض لها، نتيجة شعورها الدائم بالنقص وقلة التقدير من المحيطين بها بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، مما يدفعها لاحقًا إلى اختطاف الأطفال.
وتحرص نرجس دائمًا على تبرير أفعالها بالظروف القاسية التي مرت بها، بينما تغلف شرها ببعض التصرفات الطيبة التي تكسب بها تعاطف من حولها، فنراها تساعد زوج أختها بالمال ليبدأ مشروعًا جديدًا، كما تحاول دعم زوجها وتوفير قدم صناعية له ليتمكن من المشي بشكل أفضل، مؤكدة له دائمًا أنه سندها ولن تتخلى عنه مهما حدث.
وتؤكد ريهام عبد الغفور أنها فنانة تمتلك أدوات تمثيلية قوية، قادرة على إقناع المشاهد بأبسط تعبيرات الوجه، سواء بنظرة عين أو بنصف ابتسامة تحمل مكرًا خفيًا، ويظهر ذلك بوضوح في أحد المشاهد المؤثرة عندما تتحدث مع الطفل يوسف، الذي يظن أنها والدته، ويطلب منها أن تحضر له أخًا ليلعب معه، تسأله نرجس بدهشة: كيف يمكنها ذلك؟ ومن أين يأتي الطفل الآخر؟ ليجيبها ببساطة أن تجلب له طفلًا مثلما أحضرته من قبل، عندها ترتسم على وجهها ابتسامة خفيفة وترفع حاجبها، لأنها تعرف الطريق الذي قد تسلكه لتحقيق رغبته.
هذه التناقضات تجعل شخصية نرجس أكثر تعقيدًا، فهي امرأة بلا قلب في بعض اللحظات، لكنها تمتلك وجهًا بريئًا يخفي وراءه الكثير من المبررات التي تمنحها لنفسها كي ترتكب أفعالًا غير أخلاقية، مثل اختطاف الأطفال بدافع شعورها بالعجز عن الإنجاب، بل يصل الأمر إلى ترك حماتها تموت بعدما شكت في أمرها، ثم بكائها عليها بحزن يبدو مبالغًا فيه، ما يضع المشاهد في حالة من التردد بين كرهها أو التعاطف معها.
وتنجح نرجس في إقناع زوجها عوني، الذي يجسده حمزة العيلي، بأنه غير القادر على الإنجاب، فيشعر بالضعف والانكسار أمامها، ويدفعه ذلك إلى السير خلفها في طريق مظلم، يبدأ بكتابة المنزل باسم نرجس تقديرًا لها لأنها قبلت العيش معه رغم عدم قدرته على الإنجاب، ثم بصمته على جريمة اختطاف الطفل الأول يوسف، وصولًا إلى محاولته اختطاف طفل ثانٍ من دار للأيتام، وهي المحاولة التي تنتهي بالفشل، ولكنها تصر على الأمر وتذهب للمشفى لاختطاف طفل أخر.
وطوال حياتها يلازم نرجس شعور دائم بالنقص وقلة التقدير، وهو ما يضاعف من ضغوطها النفسية، حتى أنها عندما حملت الطفل يوسف بين يديها، ذهبت إلى طليقها لتريه الطفل وكأنها تعلن انتصارها، محاولة إثبات أنها ليست ناقصة وأنها قادرة على الإنجاب.
استطاعت الفنانة ريهام عبد الغفور إظهار مشاعر نرجس المتناقضة ببراعة، فهي تسعى طوال الوقت للحصول على أطفال، لكن الأمر لم يكن مجرد رغبة في الأمومة، بل محاولة لتعويض شعور عميق بالقهر والنقص، وكأنه مظهر اجتماعي تريد إضافته إلى صورتها أمام الآخرين لتظل مرفوعة الرأس بينهم.