حضور الآلة الموسيقية في سينما خيري بشارة

الكاتبة والناقدة الدكتورة شيماء سعيد الكاتبة والناقدة الدكتورة شيماء سعيد
 
شيماء سعيد

 

"كنت أتمنى أن تكون أفلامي غنائية لا حوارية"، جملة جاءت على لسان المخرج خيري بشارة، لتكشف رؤيته السينمائية التي تمنح الموسيقى دورًا محوريًا داخل أفلامه، لم يقدّم بشارة واقعية جافة، بل بنى عالمه السينمائي على الموسيقى ليس فقط كصوت أو غناء، بل أيضًا من خلال حضور الآلات الموسيقية داخل الكادر بوصفها جزءًا أساسيًا من البناء البصري، هذا الحضور يجعلها عنصرًا حيًا داخل المشهد، مرتبطًا بالشخصيات وبيئتها الاجتماعية، ويكشف ملامح معاناتها اليومية داخل واقع قاسٍ، ومن خلال هذا التوظيف تصبح وسيلة تعبير بصري عن الإنسان في لحظاته المختلفة، فتجسد الفقر والحلم والانكسار دون حاجة إلى كلام مباشر، وتمنح الصورة قدرة على الإفصاح عما هو أعمق من الحوار.

 

تحضر الآلة الموسيقية في المشاهد الافتتاحية لفيلم "آيس كريم في جليم" بوصفها عنصرًا دلاليًا أساسيًا داخل العالم السينمائي الذي يقدمه خيري بشارة، حيث يظهر بائع روبابيكيا يحمل (بيانو) فوق عربة كارو في مشهد يعكس انشغال المجتمع بضغوط الحياة وتراجع تقديره لقيمة الفن، فيقتنيه "سيف" الشخصية التي جسدها الفنان "عمرو دياب"، الشاب البسيط المحب للموسيقى الذي يطمح للهجرة لضيق الحال، ويعزف عليه مدركًا قيمته، لتتحول الآلة هنا إلى رمز للحلم والوعي الفني ومحاولة الهروب من مرارة الواقع.

 ويواصل "بشارة" توظيف الآلات الموسيقية دلاليًا داخل الفيلم، ولا سيما (آلة العود) المرتبطة بشخصية "زرياب" التي أداها "علي حسنين"، وهو ملحن مغمور تقدم به العمر وفشل في تحقيق ذاته، فيحمل عوده ويعزف في الشوارع مضطرًا لطلب الرزق، ويأتي العود هنا بوصفه الآلة الأقرب إلى الوجدان المصري والأكثر ارتباطًا بالطرب الشعبي والتراث الموسيقي العربي، مما يجعله قادرًا على جذب انتباه المارة واستمالتهم لصوته المألوف. ومن خلال ذلك، يكشف الفيلم كيف يمكن للفن أن يتحول إلى وسيلة لمقاومة قسوة الحياة والتشبث بالأحلام، لتغدو الآلات الموسيقية أدوات سردية تعبّر عن الشخصيات وعلاقتها بالمجتمع والواقع.

 ورغم البيئة الصحراوية القاسية والجافة في فيلم "رغبة متوحشة"، يوظّف خيري بشارة الآلات الموسيقية دلاليًا داخل البناء الدرامي، حيث يخفف من حدة هذا العالم عبر حضور الآلات الشعبية داخل الصورة، فيظهر "غزال" الذي لعب دوره "محمود حميدة" وهو يرقص وسط مجموعة من البدو على إيقاع الطبلة وصوت المزمار الشعبي، مع انتقالات مقصودة إلى العازفين والآلات تؤكد حضورها داخل المشهد، وهكذا تتحول الموسيقى من مجرد خلفية صوتية إلى عنصر بصري ودرامي يشارك في تشكيل الصورة، ويحمل المزمار دلالات الشجن والحنين، بينما تعكس الطبلة الإيقاع البدوي المرتبط بالحركة والاحتفال والحياة اليومية داخل الجماعة، فتغدو الموسيقى جزءًا من التعبير عن علاقة الشخصيات ببيئتها ومحاولة التخفيف من قسوة العزلة.

ومنذ اللحظة الأولى في فيلم "حرب الفراولة"، يقدّم خيري بشارة الآلات الموسيقية بوصفها مرآة دقيقة للحالة النفسية للشخصيات وتحولاتها الداخلية، إذ يظهر عازف (آلة الكمان) متجهًا إلى قصر "ثابت الدهشوري" الذي جسده الفنان "سامي العدل"، وهو يحمل آلته. ثم يبدأ لاحقًا في العزف داخل القصر في محاولة لإخراج "الدهشوري" من حالة الاكتئاب والحزن التي أصابته بعد وفاة ابنه، ويأتي عزف الكمان بنغماته الهادئة تجسيدًا مباشرًا للحالة الشعورية للبطل، فتتحول الآله إلى امتداد للشجن والألم الداخلي.

 وعلى النقيض تمامًا، ينتقل الفيلم إلى مشهد أكثر احتفالية مع حضور "حمامة وفردوس" اللتين جسدتهما "يسرا ومحمود حميدة"، حيث يظهر العازفون وهم يعزفون على الآلات النحاسية مثل (الترمبيت والهورن والترمبون) داخل أجواء توقيع "عقد السعادة"، لتعبّر عن الفرح الصاخب والانتصار اللحظي وإعلان البهجة بشكل مباشر، ومن خلال هذا الاختلاف بين دلالة الكمان والآلات النحاسية، تكشف الآلات الموسيقية التباين بين مشاعر الألم والحزن ومشاعر الفرح والانتصار داخل الفيلم.

افلام خيري بشارة
افلام خيري بشارة

 

وفي فيلم "يوم حلو ويوم مر" يرسم خيري بشارة ملامح الفرح الشعبي داخل الحارة المصرية في مناسبة فرح إحدى بنات "عائشة" التي جسدتها "فاتن حمامة"، حيث يُبرز عازف (الأوكورديون) وآلته في لقطة "كلوز" داخل الكادر بملامح بسيطة ومتواضعة تعكس انتماءه لبيئة الحارة، وتأتي آلة الأوكورديون بوصفها أحد ملامح الأفراح الشعبية قبل انتشار الآلات الحديثة، ورغم أنها قد تقدم ألحانًا حزينة، فإن صورتها الذهنية ارتبطت بالأجواء الاحتفالية والموسيقى الفلكلورية المبهجة، فيتداخل حضورها مع تفاصيل الفرح الشعبي بحالة تلقائية دون تكلف، ويمنح هذا المشهد إحساسًا بالحميمية، ليصبح العزف والآلة جزءًا من صورة تعبر عن بهجة الناس رغم قسوة الواقع.

وتمنح (آلة الجيتار) في فيلم "قشر البندق" حضورًا دلاليًا واضحًا يعكس روح التمرد والانفتاح على العالم الحديث، حيث يظهر الفنان "حميد الشاعري" في دور "فتحي" وهو يعزف الجيتار ويفترش الأرض مع أصدقائه الساعين إلى تغيير واقعهم الاجتماعي نحو الأفضل، لتتحول الآلة إلى رمز لجيل التسعينيات الساعي للهروب من الفقر والضيق، وكسر القيود المرتبطة بالأشكال الموسيقية الشرقية التقليدية، ويصبح الجيتار هنا تعبيرًا عن رغبة في الحرية، بما يتماشى مع واقع الفيلم الذي يعكس حالة التهميش والبحث عن مساحة للحلم داخل الشارع المصري، وهكذا لا يظهر الجيتار كآلة موسيقية فقط، بل كأداة بصرية وسردية تجسد التمرد الفردي والجماعي في آن واحد.

 وتوظَّف الآلات الموسيقية في فيلم (كابوريا) لتوضيح التباين الطبقي داخل المجتمع، حيث يستخدم خيري بشارة حضورها داخل الصورة بوصفه علامة بصرية دالة على اختلاف العوالم، ففي الحارة الشعبية التي ينتمي إليها "حسن هدهد" ويجسدها الفنان "أحمد زكي"، يظهر عازف (الأوكورديون) كرجل بسيط يعزف وسط الشارع، فتنسجم نغماته مع إيقاع الحارة وحياة البسطاء اليومية، فيتابعه بعض السكان من الشرفات في حالة من البهجة البسيطة التي تعكس حياتهم اليومية، حيث يتحول العزف إلى محاولة لصناعة السعادة بأبسط الوسائل، ومتنفس يخفف من ضغوط الواقع ويمنحهم لحظة انفصال مؤقت عن ثقل الحياة.

 وفي المقابل، ينتقل الفيلم إلى عالم القصر الذي يعيش فيه المليونير "سليمان" الذي يقوم بدوره "حسن الإمام" وزوجته "حورية" التي جسدتها الفنانة "رغدة"، حيث تظهر (الآلات النحاسية) في حضور يعكس الاحتفال المترف، ومن خلال هذا التباين بين الأوكورديون الشعبي والآلات النحاسية داخل القصر، تتجسد الفجوة الطبقية بوضوح، حيث تعكس الأولى بساطة الحياة ومحاولة صناعة البهجة، بينما تعكس الثانية مظاهر الثراء والاحتفالات الرسمية.

 وهكذا يصبح حضور الآلة الموسيقية في سينما خيري بشارة لغة بصرية ودرامية تتعدد دلالاتها لكنها تلتقي عند كونها تعكس الإنسان داخل طبقته الاجتماعية ومشاعره وتحولاته الداخلية، وبذلك تغدو شاهدًا على الإنسان في ضعفه وتمرده وبهجته داخل السينما.

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر