جمال عبد الناصر يكتب : خالد جلال والذين معه

الكاتب الصحفي والناقد الفني جمال عبد الناصر الكاتب الصحفي والناقد الفني جمال عبد الناصر
 
كتب : جمال عبد الناصر

 

الممثل الذي يضحكنا ويبكينا ويترك ملامحه محفورة في وجدان أجيال كاملة، ظل طويلًا خارج معادلة الحقوق العادلة، رغم أن صوته وصورته وأداءه لا تزال تُعاد وتُستثمر وتُبث عبر الشاشات والمنصات بلا توقف.

وبينما تتغير وسائل العرض وتتضاعف أرباح إعادة البث، يبقى الفنان صاحب الحضور الإبداعي والروح التي منحت العمل حياته الأقل حظًا في الحصول على نصيب عادل من هذا الاستغلال المستمر لأعماله، وربما لهذا بدا اجتماع لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ لمناقشة الاقتراح المقدم من ياسر جلال بشأن تفعيل حق الأداء العلني، أكثر من مجرد جلسة برلمانية عابرة؛ بدا وكأنه لحظة اعتراف متأخرة بقيمة الممثل، وبحقه في أن يكون شريكًا حقيقيًا في العائد المستمر للأعمال التي صنع جزءًا أساسيًا من نجاحها وخلودها.

فالاجتماع الذي شهد حضور عدد كبير من نجوم الفن، أكد أن القضية لم تعد مجرد مطلب نقابي محدود، وإنما أصبحت قضية وعي جماعي تتعلق بمستقبل الصناعة الفنية نفسها، وبالعدالة الغائبة عن واحد من أهم عناصرها.

لقد أصبح الحفاظ على حقوق فناني الأداء ضرورة حقيقية في ظل التطورات الهائلة التي يشهدها مجال الإنتاج والعرض الفني، خاصة مع التوسع الكبير في المنصات الرقمية، وإعادة بث الأعمال بصورة مستمرة تحقق عوائد اقتصادية ضخمة لجهات عديدة، بينما يظل الممثل في كثير من الأحيان خارج دائرة الاستفادة العادلة من إعادة استغلال عمله الفني.

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن حق الأداء العلني ، باعتباره أحد الحقوق المجاورة لحق المؤلف، والتي نص عليها قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، لكنه لا يزال بحاجة إلى آليات واضحة تضمن التطبيق الفعلي، وتحفظ لفناني الأداء حقوقهم المادية والأدبية بصورة عادلة ومنظمة.

 فمن غير المنطقي أن يحصل المؤلف والملحن والشاعر على عوائد إعادة البث، بينما يُستبعد الممثل، رغم أن حضوره وصوته وملامحه هي التي منحت النص المكتوب نبضه الإنساني وحولته إلى حالة فنية باقية في ذاكرة الجمهور.

والحقيقة أن هذا الحق ليس مطلبًا استثنائيًا أو فكرة محلية طارئة، بل هو حق معمول به دوليًا وتدعمه الاتفاقيات العالمية الكبرى، مثل اتفاقية روما ومعاهدة الويبو بشأن الأداء والتسجيل الصوتي، اللتين تضمنان لفناني الأداء حق الاستئثار والترخيص في بث أعمالهم علنًا، بما يضمن استمرار تدفق العوائد المالية التي تحمي الفنان من تقلبات الزمن، وتراجع فرص العمل مع التقدم في العمر، وتوفر له حياة أكثر استقرارًا وكرامة.

فالفنان لا يقدم مجرد دور ينتهي بانتهاء التصوير، بل يترك أثرًا فنيًا يمتد لسنوات وربما لعقود، ويظل عمله قابلًا لإعادة الاستغلال والبث والمشاهدة عبر أجيال متعاقبة، ومن العدالة أن يكون شريكًا في هذه القيمة المستمرة، لا مجرد اسم يظهر على تترات النهاية ثم يغيب عن معادلة الحقوق.

ولهذا، فإن التحرك الذي يقوده خالد جلال وياسر جلال والذين معهم، يستحق الدعم الكامل من كل المهتمين بالصناعة الفنية، سواء كانوا نقابات أو مؤسسات إنتاج أو جهات تشريعية أو مثقفين وفنانين، فالقضية هنا لا تتعلق فقط بالمكاسب المادية، وإنما ترتبط أيضًا باحترام قيمة الفن، وتقدير من يصنعون وجدان المجتمع وذاكرته البصرية والإنسانية.

ويبقى الأمل أن تتحول هذه المناقشات إلى خطوات تنفيذية واضحة، تضمن للممثل المصري حقه المشروع، تمامًا كما يحصل عليه الملحن والشاعر والمؤلف وغيرهم من أصحاب الحقوق الإبداعية، حتى يصبح الفنان شريكًا حقيقيًا في العائد المستمر لأعماله، لا مجرد صاحب أداء يُستهلك ثم يُنسى مع مرور الوقت.

ربما تكمن أهمية ما فعله خالد جلال وياسر جلال في أنهما لم يكتفيا بالكلام عن معاناة الممثل، بل قررا أن يقتربا من جوهر القضية نفسها؛ حق الفنان في أن يعيش بكرامة من أثر فنه المستمر. لقد حركا ملفًا ظل طويلًا ساكنًا، وفتحا باب الأمل أمام أجيال من الممثلين كي يصبح حق الأداء العلني واقعًا لا مجرد حلم مؤجل.

 

 

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر