في السنوات الأخيرة أصبحت الأغنية الخفيفة هدفًا دائمًا للهجوم، وكأن البساطة أصبحت تهمة، بينما الحقيقة أن الوصول إلى جملة سهلة تحفظها الأذن ويرددها الناس ليس أمرًا بسيطًا على الإطلاق، وربما لهذا السبب تحديدًا أحببت أغنية " بحرية " التي كتبها ولحنها عزيز الشافعي وغناها شيرين عبد الوهاب ومحمد حماقي، وبرغم حالة السخرية والانتقاد التي صاحبتها منذ اللحظة الأولى علي السوشيال ميديا إلا أن أصحاب الأغنية لا يدعون أنها قصيدة فلسفية، ولا تقدم الأغنية نفسها باعتبارها مشروعًا لتجديد الشعر العربي، لكنها تنتمي بوضوح إلى لون غنائي شعبي رومانسي خفيف، يعتمد على خلق حالة من الدفء والونس والمشاهد اليومية التي يعرفها الناس ويعيشونها، ولذلك جاءت كلماتها قريبة من القلب قبل العقل.
منذ الجملة الأولى في الأغنية " بحرية الڤرندة بحرية البحرية" تشعر أن الأغنية لا تبدأ بكلمات بقدر ما تبدأ بصورة.. صورة بيت مصري بسيط، شرفة مفتوحة، هواء بحر، وموعد مؤجل لكوب شاي في العصرية، وهنا لا تعتمد الأغنية على البلاغة المعقدة، بل على استدعاء تفاصيل الحياة الحميمة التي تصنع المشاعر الحقيقية، وعندما تقول: هتيجي إمتى ونشرب أنا وانت الشاي في العصرية.. فإنها لا تقدم وعدًا عاطفيًا ضخمًا، بل تقدم لحظة إنسانية صغيرة، لكنها شديدة الصدق، وهذا بالتحديد سر نجاح كثير من الأغاني التي تعيش طويلًا؛ قدرتها على تحويل التفاصيل العادية إلى حالة وجدانية.
حتى الجمل التي سخر منها البعض مثل: " من ماما ما تخفش من ماما دي عِشرية بتموت فيا.." .. أراها جزءًا من روح الأغنية، لأنها تنقل العلاقة من إطار الحب التقليدي إلى أجواء البيت والعائلة والونس الشعبي، فالأغنية هنا لا تتحدث عن حب متعالٍ أو مستحيل، بل عن علاقة يريد أصحابها أن تكتمل ببساطة، لذلك تأتي ماما وبابا داخل النسيج الغنائي بشكل طبيعي للغاية.

جمال عبد الناصر يكتب
أما أكثر ما يميز الأغنية فهو ذلك التوازن الذكي بين خفة الكلمات وسهولة اللحن، فعزيز الشافعي يدرك جيدًا كيف يصنع ما يمكن وصفه بـ السهل الممتنع، فاللحن يبدو بسيطًا جدًا عند الاستماع الأول، لكنه في الحقيقة مبني على جمل موسيقية مرنة سريعة الالتصاق بالأذن، مع إيقاع يمنح الأغنية روحًا مرحة دون ابتذال.
كما أن توزيع الأداء بين شيرين وحماقي منح الأغنية حيوية إضافية؛ شيرين بخفتها وعفويتها المعتادة، وحماقي بصوته الهادئ الذي يميل إلى الدلع الغنائي المناسب لطبيعة الكلمات، ولذلك تبدو الأغنية وكأنها حوار يومي بين حبيبين أكثر منها استعراضًا صوتيًا.
المشكلة الحقيقية أن بعض المستمعين ما زالوا يتعاملون مع كل الأغاني بالمعيار نفسه، بينما الموسيقى مثل السينما والمسرح، لها أنواع وألوان ووظائف مختلفة، فهناك أغنية تُكتب لتجعلك تفكر، وأخرى لتبكي، وثالثة فقط لتمنحك ابتسامة أو لحظة خفيفة في يوم مرهق، وأغنية " بحرية " تنتمي بوضوح إلى هذا النوع الأخير، ولعل عنوان الأغنية الحقيقي ليس بحرية فقط، بل تلك الحالة التي تختبئ داخلها: شاي على النار، موعد بسيط، مكالمة مع الأب، وفتاة تقول لحبيبها بثقة وعفوية : (مع بابا كلامك)، إنها أغنية تحتفي بالبساطة المصرية، بعلاقات الحب التي لا تحتاج خطبًا طويلة بقدر ما تحتاج " قعدة عصريّة " فيها بعض الضحك والونس.
لهذا، ورغم كل الانتقادات، أرى أن أغنية " بحرية " نجحت فيما أرادته بالضبط، كأغنية خفيفة، دافئة، شعبية الروح، تعرف جيدًا كيف تدخل الأذن بسرعة وتترك أثرًا من البهجة. وأحيانًا… هذا يكفي جدًا.