جمال عبد الناصر يكتب : تكريمهم واجب قومي في المهرجان القومي

أشرف زكي وأحمد عبد العزيز ويوسف اسماعيل أشرف زكي وأحمد عبد العزيز ويوسف اسماعيل
 
كتب : جمال عبد الناصر

في كل مؤسسة ثقافية كبرى لحظات تستوجب التوقف أمامها، ليس فقط للاحتفاء بالإنجازات، وإنما أيضًا لاستدعاء الذاكرة والاعتراف بفضل الذين صنعوا البدايات ومهدوا الطريق للأجيال التالية، فالمهرجانات لا تُبنى بالعروض وحدها، ولا تُصنع مكانتها بالجوائز فقط، بل تتشكل هويتها عبر جهود المؤسسين الذين وضعوا الرؤية الأولى وحولوا الحلم إلى واقع.

ومن هذا المنطلق، أجدني أجدد للمرة السابعة تقريبًا مطلبًا أراه عادلًا ومستحقًا، وهو تكريم الدكتور أشرف زكي، مؤسس المهرجان القومي للمسرح المصري ورئيسه الأول وصاحب الفكرة التي انطلق منها هذا الحدث المسرحي الأهم في مصر، فعلى مدار أكثر من ست سنوات كنت أطرح هذا الاقتراح مع كل دورة جديدة للمهرجان، أملاً في أن يجد طريقه إلى اللجنة العليا، غير أن هذا المطلب ظل مؤجلًا دون أسباب واضحة، رغم ما يحمله من دلالات الوفاء والاعتراف بالتاريخ.

وإذا كان المهرجان القومي للمسرح المصري قد تحول اليوم إلى واحدة من أهم المؤسسات الثقافية والفنية في مصر، وصار يمتلك تاريخًا راسخًا وحضورًا مؤثرًا في الحركة المسرحية، فإن الإنصاف يقتضي أن نتذكر من وضع لبناته الأولى وأسهم في رسم ملامحه وتحديد هويته، والدكتور أشرف زكي ليس مجرد اسم تولى إدارة المهرجان في مرحلة من مراحله، بل هو صاحب المشروع ومؤسسه الأول، وأحد أبرز أبناء المسرح المصري الذين جمعوا بين الإبداع والإدارة والعمل الأكاديمي والنقابي.

وأتمنى أن يحظى هذا الاقتراح باهتمام إدارة المهرجان القومي للمسرح المصري، وأن يجد دعمًا من السيدة وزيرة الثقافة، انطلاقًا من حرصها الدائم على ترسيخ قيم التقدير والوفاء لرموز الثقافة والفنون، فتكريم المؤسس لا يعد تكريمًا لشخص بعينه بقدر ما يمثل احتفاءً بتاريخ مؤسسة كاملة، ورسالة تؤكد أن الدولة ومؤسساتها الثقافية لا تنسى أصحاب الفضل الذين أسهموا في بناء مشروعاتها الكبرى وترسيخ مكانتها.

لقد قدّم أشرف زكي للمسرح المصري مسيرة حافلة امتدت بين الإخراج والتدريس والإدارة الثقافية، فهو أستاذ أكاديمي، وعميد سابق للمعهد العالي للفنون المسرحية، ورئيس سابق لأكاديمية الفنون، ونقيب للمهن التمثيلية، فضلًا عن رصيده الكبير من الأعمال المسرحية والفنية، وهي مسيرة تجعل تكريمه أمرًا طبيعيًا ومنطقيًا، بل وتفتح الباب أمام مطلب آخر لا يقل مشروعية، وهو أن تحمل إحدى دورات المهرجان اسمه تقديرًا لدوره التأسيسي في صناعة هذا الحدث الثقافي المهم.

ولا يمكن الحديث عن تاريخ المهرجان دون التوقف أمام السنوات التي تولى فيها أشرف زكي قيادته، وهي سنوات شهدت لحظات استثنائية وتكريمات لكبار رموز الفن والمسرح المصري، من الزعيم عادل إمام إلى الفنان الكبير عبد المنعم مدبولي، والفنان فؤاد المهندس وغيرهم من القامات التي أصبحت جزءًا من ذاكرة المهرجان وتاريخه.

وفي السياق نفسه، أرى أن قائمة المكرمين ينبغي أن تضم أيضًا الفنان الكبير أحمد عبد العزيز، أحد الرؤساء الذين تركوا بصمة مختلفة في إدارة المهرجان، فقد امتلك رؤية خاصة وفكرًا يستحقان التقدير، وأسهم في تقديم دورة حملت ملامح مميزة على مستوى التنظيم والرؤية الفنية، ولعل ما يظلم أحمد عبد العزيز في أحيان كثيرة هو اقتصار النظر إليه باعتباره نجمًا تلفزيونيًا وسينمائيًا فقط ، بينما هو في الأساس ابن أصيل من أبناء المسرح، ومخرج مسرحي مهم وصاحب تجربة فنية جديرة بالدراسة والاحتفاء.

كما أن الفنان يوسف إسماعيل يستحق بدوره أن يكون ضمن قائمة المكرمين فهو أحد أبناء المسرح المصري المخلصين، وواحد من نجوم فرقة المسرح القومي، كما تولى إدارة المسرح القومي وقدم خلال فترة إدارته عددًا من الأعمال المهمة التي عكست رؤية واعية ومستنيرة، وكذلك شغل رئاسة المهرجان القومي للمسرح المصري لثلاث دورات متتالية، وأسهم في استكمال مسيرته وتطوير حضوره داخل المشهد الثقافي المصري.

إن المؤسسات الثقافية الكبرى لا تحفظ ذاكرتها بالعروض والجوائز وحدها، وإنما تحفظها أيضًا بالوفاء لمن صنعوا تاريخها وأسهموا في تشكيل ملامحها. فتكريم الشخصيات التي أسست المهرجان أو قادته في مراحل مهمة من عمره لا يقل قيمة عن تكريم الفنانين الذين اعتلوا خشباته أو شاركوا في مسابقاته.

لذلك فإن تكريم الدكتور أشرف زكي، والفنان أحمد عبد العزيز، والفنان يوسف إسماعيل، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد لفتة تقدير أو مجاملة شخصية، بل باعتباره اعترافًا مستحقًا بتاريخ صنعوه وجهدًا بذلوه وعطاءً ترك أثره الواضح في مسيرة المهرجان القومي للمسرح المصري، إنها دعوة للوفاء قبل أن تكون دعوة للتكريم، ورسالة تؤكد أن المؤسسات الحقيقية لا تنسى أبناءها الذين أسهموا في بنائها وترسيخ مكانتها.

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر