جمال عبد الناصر يكتب " "شوفير الهانم" و"سواق الهانم" في ضوء نظرية ليندا هاتشيون

 
كتب : جمال عبد الناصر

 

لا يكف المسرح المصري عن إدهاشنا، فكلما ظننا أننا نعرف تاريخه، أخرج لنا من خزائنه عملًا يسبق عصره بعقود، وكأنه يهمس لنا بأن كثيرًا مما نظنه جديدًا اليوم، قد جُرِّب بالأمس فوق خشبة المسرح، ثم غطاه غبار الزمن.

ومن بين هذه الكنوز المنسية تبرز مسرحية "شوفير الهانم"، التي قدمتها فرقة رمسيس عام 1938، من تأليف محمد سعودي، وإخراج يوسف وهبي، وبطولة يوسف وهبي، وبشارة واكيم، وأمينة رزق، وحسن البارودي، فهذا العملٌ مضى عليه ما يقرب من تسعين عامًا، لكنه يثير اليوم سؤالًا نقديًا مشروعًا عندما نتذكر الفيلم الشهير "سواق الهانم"  الذي عُرض بعد ذلك 56 عامًا، من قصة وسيناريو وحوار يوسف جوهر، وبطولة أحمد زكي وسناء جميل وعادل أدهم وشيرين سيف النصر.

المفارقة هنا ليست في التشابه اللغوي بين "الشوفير" و"السواق"، فكلاهما يؤدي المعنى نفسه، وإنما في أن الإطار الدرامي يكاد يكون واحدًا؛ سائق يعمل لدى "الهانم"، وصراع اجتماعي داخل عالم الطبقة الأرستقراطية، وتداخل العلاقات الإنسانية مع الفوارق الطبقية والسلطة والنفوذ. وهو ما يطرح سؤالًا نقديًا قبل أن يطرح اتهامًا: هل كانت السينما تعيد اكتشاف فكرة سبق إليها المسرح المصري بعقود؟

الإجابة لا ينبغي أن تأتي بمنطق الإثارة، وإنما بمنهج البحث، فالنص الكامل لمسرحية "شوفير الهانم" لم يعد متداولًا، وهو ما يمنع أي باحث من إصدار حكم قاطع بأن فيلم "سواق الهانم" اقتباس مباشر منها، غير أن غياب النص لا يلغي قيمة القرينة التاريخية؛ فوجود مسرحية مصرية بهذا العنوان، وبهذا العالم الدرامي، قبل الفيلم بستة وخمسين عامًا، يجعل المقارنة مشروعة، بل ضرورية.

هنا تكتسب نظرية ليندا هاتشيون أهميتها، فهاتشيون لا تنظر إلى الاقتباس باعتباره نقلًا حرفيًا لنص إلى نص، وإنما تراه عملية إعادة تفسير وإعادة إنتاج لفكرة أو بنية سردية داخل سياق جديد، وترفض اختزال العلاقة بين العملين في سؤال: "هل نُقل النص بأمانة؟ "، فالسؤال الحقيقي عندها هو : كيف أعيد إنتاج الحكاية؟ ولماذا؟ وما الذي تغير بفعل الزمن والوسيط والجمهور؟

ولو طبقنا هذا المنظور على "شوفير الهانم" و"سواق الهانم"، فإننا لسنا مضطرين لإثبات النقل الحرفي حتى نعترف بوجود علاقة تستحق الدراسة. فربما لم ينتقل النص، وإنما انتقلت الفكرة، أو النموذج الدرامي، أو البنية الاجتماعية التي أثبتت قدرتها على الحياة عبر الأزمنة. فالمسرح قدّم الحكاية في ثلاثينيات القرن العشرين، بينما أعادت السينما قراءتها بعد أكثر من نصف قرن، في مجتمع تبدلت طبقاته، وتغيرت قيمه، واختلف جمهوره، فأصبحت الحكاية نفسها تحمل دلالات جديدة.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الاكتشاف لا تكمن في اتهام أحد بالاقتباس، وإنما في إعادة الاعتبار للمسرح المصري بوصفه المصدر الأول لكثير من الأفكار التي ظننا أنها وُلدت في السينما، وربما تخفي مكتباتنا عشرات النصوص التي سبقت أفلامًا شهيرة، لكن أحدًا لم يلتفت إليها بعد.

ولعل أجمل ما تعلمنا إياه هذه الحكاية أن المسرح المصري لم يكن مجرد فن يسبق العرض السينمائي، بل كان يسبق الخيال نفسه، وكان يزرع البذرة الأولى، ثم تمضي السنوات، فتزهر البذرة على شاشة السينما، بينما يظل اسم المسرحية الأولى منسيًا بين صفحات التاريخ.

وهذه هي مهمة سلسلة "كنوز المسرح المصري"؛ أن تعيد فتح الخزائن القديمة، لا لتبحث عن الاتهامات، وإنما لتعيد كتابة الذاكرة الثقافية المصرية كما كانت، لا كما بقي منها.

شوفير الهانم
شوفير الهانم

من هي ليندا هاتشيون؟

تُعد ليندا هاتشيون (Linda Hutcheon، مواليد 24 أغسطس 1947) واحدة من أبرز الناقدات الأدبيات ومنظرات الأدب المقارن في العصر الحديث. درست بجامعة تورنتو ثم جامعة كورنيل، وتشغل منصب أستاذة الأدب الإنجليزي والأدب المقارن بجامعة تورنتو.

اكتسبت هاتشيون مكانتها الأكاديمية بوصفها من أهم منظري ما بعد الحداثة، كما أسهمت إسهامًا بارزًا في الدراسات النسوية ونظريات التناص والاقتباس والعلاقة بين الفنون والوسائط المختلفة. وقدمت قراءات عميقة لمفاهيم مثل السخرية (الباروديا)، والمفارقة، والجماليات، وعلاقة النصوص بعضها ببعض، مستفيدة من خلفيتها الواسعة في الأدب والفلسفة والفنون والعمارة.

ويُعد كتابها «نظرية الاقتباس» (A Theory of Adaptation) من أهم المراجع المعاصرة في دراسة الاقتباس؛ إذ تنظر فيه إلى الاقتباس بوصفه فعلًا إبداعيًا يقوم على إعادة تفسير الحكايات وإعادة إنتاجها في سياقات ووسائط جديدة، لا مجرد نقل أو محاكاة للنص الأصلي. ولذلك أصبحت نظريتها إطارًا نقديًا معتمدًا في تحليل العلاقة بين المسرح والسينما والرواية وسائر الفنون السردية.

المصادر : موسوعة المسرح المصري / كتاب " نظرية الاقتباس " ليندا هاتشيون

 

 

 

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر