جمال عبد الناصر يكتب : شندي بندي .. والكنزالضائع من مسرح علي الكسار

جمال عبد الناصر يكتب عن كنوز المسرح المصري ( علي الكسار وحياة صبري ) جمال عبد الناصر يكتب عن كنوز المسرح المصري ( علي الكسار وحياة صبري )
 
كتب : جمال عبد الناصر

 

هناك مسرحيات لا تموت لأنها خالدة في الذاكرة، وأخرى تموت مرتين؛ مرة عندما يُسدل الستار على آخر عروضها، ومرة عندما تختفي أوراقها وصورها ونصوصها من بين أيدي المؤرخين، ومن هنا جاءت فكرة سلسلة "كنوز المسرح المصري"، التي أحاول من خلالها إعادة إحياء أعمال صنعت نجاحًا كبيرًا في زمنها، لكنها سقطت من صفحات التاريخ بسبب ندرة التوثيق، معتمدًا على مصادر ووثائق خاصة.  

وفي هذه الحلقة نتوقف أمام واحدة من المسرحيات المنسية التي قدمتها فرقة الفنان الكبير علي الكسار، وهي مسرحية "شندي بندي"، التي عُرضت لأول مرة في 17 فبراير 1938، من تأليف علي الكسار ومحمد شكري، وإخراج علي الكسار، وتصميم ديكور لاريتشي، وبطولة علي الكسار، وحياة صبري، وحامد مرسي، وعبد المجيد زكي، وللأسف، وكما هو حال عشرات العروض المسرحية في تلك الفترة، لم يصل إلينا النص الكامل للمسرحية، ولم تحفظ المراجع تفاصيل أحداثها أو حبكتها الدرامية، واكتفت بتسجيل تاريخ العرض وأسماء صناعها وأبطالها، ولذلك تبقى "شندي بندي" شاهدًا على مرحلة كاملة من المسرح المصري فقدت كثيرًا من كنوزها بسبب غياب ثقافة التوثيق آنذاك.

ويحمل عنوان المسرحية دلالة طريفة ؛ فـ"شندي بندي" كان تعبيرًا دارجًا قديمًا يُستخدم للدلالة على الدفع النقدي الفوري أو "الكاش"، وهو عنوان يعكس الروح الكوميدية الشعبية التي اشتهرت بها عروض علي الكسار، وجاءت المسرحية في مرحلة كان فيها علي الكسار يعيش واحدة من أهم محطات مجده الفني، منافسًا شرسًا للفنان نجيب الريحاني على زعامة المسرح الكوميدي، فقد سبقها بعدة سنوات نجاحات كبيرة، منها مسرحية "البربري في الهند" عام 1932، ثم "الجنايني" و"اطلع من دول" و"بنت الشحات" و"اللي يعيش"، وهي الأعمال التي كرست شخصية "عثمان عبد الباسط" بوصفها إحدى أشهر الشخصيات الكوميدية في تاريخ المسرح المصري.

جمال عبد الناصر يكتب  كنوز المسرح المصري
جمال عبد الناصر يكتب كنوز المسرح المصري

 

كانت فرقة الكسار من أكثر الفرق نشاطًا في العالم العربي، إذ لم تكتف بعروض القاهرة، بل جابت فلسطين وسوريا ولبنان، وقدمت عروضها في يافا والقدس وحيفا ونابلس ودمشق وبيروت، لتصبح واحدة من أوائل الفرق المصرية التي حملت المسرح المصري إلى الجمهور العربي، ويرى الباحثون أن مسرحية "هانت" التي قدمها الكسار عام 1934 كانت نقطة تحول في أسلوبه المسرحي، وهو ما أشار إليه الدكتور سيد علي إسماعيل في كتابه عن مسرح علي الكسار، حيث بدأ الكسار يميل إلى تطوير الشكل المسرحي والاهتمام بالعناصر الفنية إلى جانب الكوميديا الشعبية التي عُرف بها.

  • وكيف انتهت رحلة حياة صبري من البطولة إلى العزلة؟

حياة صبري وسيد درويش وعلي الكسار
حياة صبري وسيد درويش وعلي الكسار

ومن أبرز مفاجآت "شندي بندي" وجود الفنانة حياة صبري في البطولة أمام علي الكسار، وهي واحدة من أهم الأصوات النسائية في بدايات المسرح الغنائي المصري، وإن كان اسمها قد غاب عن ذاكرة الأجيال الجديدة.

ولدت حياة صبري، واسمها الحقيقي عائشة عبد العال، في الإسكندرية، واختار لها الموسيقار سيد درويش اسمها الفني، بعد أن آمن بموهبتها واحتضنها فنيًا، لتصبح بطلة فرقته ومؤدية عدد كبير من ألحانه الخالدة. وغنت معه في أوبريتات مثل "شهرزاد" و"الباروكة" و"العشرة الطيبة" و"راحت عليك"، كما سجلت بصوتها عددًا من أشهر ألحانه على أسطوانات أوديون وبيضافون، وكان يتمسك بها رغم محاولات شركات الأسطوانات الاستعانة بمطربات أكثر شهرة في ذلك الوقت.

لكن وفاة سيد درويش عام 1923 كانت نقطة فاصلة في حياتها الفنية؛ فقد فقدت الداعم الأكبر لمسيرتها، ورغم محاولتها تأسيس فرقة مسرحية خاصة بها، وجولاتها في الشام والعراق، فإنها لم تحقق النجاح الذي كانت تطمح إليه، حتى انسحبت تدريجيًا من الأضواء، وفي سنواتها الأخيرة عاشت حياة صبري حياة شديدة القسوة، خاصة بعد استشهاد ابنها الطيار محمد جميل إبراهيم عام 1954، فابتعدت تمامًا عن الوسط الفني، وعاشت في هدوء داخل شقتها بشبرا، حتى عرفها سكان المنطقة باسم "أم جميل"، بينما نسيها معظم أهل الفن، ولم يظل إلى جوارها سوى قلة من الأوفياء، كان من بينهم الفنان عبد العزيز خليل، والفنانة نجمة إبراهيم، والكاتب كامل الشناوي.

وتبقى حياة صبري واحدة من النماذج المؤلمة لفنانات صنعن جزءًا من تاريخ المسرح والغناء في مصر، ثم اختفين بعيدًا عن الأضواء، بينما بقيت أصواتهن وأعمالهن شاهدًا على عصر كامل من الإبداع.

أما مسرحية "شندي بندي"، فرغم اختفاء نصها وضياع تفاصيلها، فإن مجرد استعادة اسمها اليوم هو محاولة لإنقاذ صفحة أخرى من ذاكرة المسرح المصري، والتأكيد على أن تاريخنا المسرحي لا يقتصر على الأعمال التي بقيت نصوصها، بل يشمل أيضًا تلك العروض التي صنعت نجاحًا جماهيريًا هائلًا، ثم ابتلعها الزمن، ولم يبق منها سوى أسماء على صفحات الصحف القديمة، تنتظر من يعيد إليها الحياة.

المصادر: موسوعة المسرح المصري المصورة / مسرح علي الكسار (الجزء الثاني): علي الكسار … ومرحلة التألق الفني

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر