-
من الصدفة إلى الخلود... تشابه المسيرة بين "بليغ وأم كلثوم" "وزياد وفيروز"
وراء أشهر المحطات في تاريخ الموسيقى العربية، تقف كواليس وحكايات صنعت بعضًا من أهم الثنائيات الفنية، ومن بينها تبرز رحلة "بليغ حمدي مع أم كلثوم"، ورحلة "زياد الرحباني مع فيروز"، فرغم أن التجربتين نشأتا في بيئتين مختلفتين، إحداهما في "مصر" التي كانت مركزًا رئيسيًا للحركة الموسيقية العربية، والأخرى في "لبنان" داخل مشهد فني له خصوصيته، ورغم اختلاف البدايات والظروف المحيطة، فإن التأمل في مسارهما يكشف ملامح مشتركة تستحق التوقف عندها، من لحظة اللقاء الأولى وحتى التحولات التي رسمت مكانتهما في الذاكرة الفنية.
حين صنعت الصدفة بداية الرحلة
لم يكن اقتراب "بليغ حمدي" من "أم كلثوم" متوقعًا، فقد بدا الوصول إلى كوكب الشرق حلمًا بعيدًا أمام ملحن لا يزال يثبت نفسه، ففي إحدى الجلسات التي جمعته بالملحن "الموجي وكمال الطويل"، تحدّث "بليغ" عن طموحه في الوصول إلى هذه المكانة، لكن رد الموجي جاء ساخرًا حين قال له: "قول كمان أم كلثوم!!"، ونصحه بمواصلة دراسة ألحان الكبار سنوات طويلة، ورغم أن العبارة بدت قاسية في وقتها، فإنها تحولت إلى حافز دفع بليغ إلى إثبات أن الموهبة قادرة على اختصار الكثير من المسافات.
وجاءت الصدفة التي لم تكن في الحسبان، فقد كان الموسيقار "محمد فوزي" قد أعد لحنًا لأغنية "حب إيه"، لكنه عندما استمع إلى محاولة "بليغ حمدي" لتلحين الكلمات نفسها، أدرك قيمة موهبته وآثر أن يمنح الفرصة له، وخلال إحدى السهرات الفنية، شجّع فوزي بليغ على الحضور وعرض اللحن أمام أم كلثوم، التي استمعت إليه على العود وتوقفت أمام الجملة الموسيقية الجديدة، فكان "حب إيه" عام 1960 بداية لقاء بين صوت استثنائي وملحن شاب سيصبح لاحقًا أحد أهم الأسماء في تاريخ الأغنية العربية.
أما تجربة "زياد الرحباني" مع والدته فيروز، فقد ارتبطت بأغنية "سألوني الناس" التي كتب كلماتها "منصور الرحباني" خلال فترة غياب شقيقه "عاصي الرحباني" زوج فيروز، بسبب وعكة صحية، وجاء اللحن من زياد الذي كان قد وضعه سابقًا لكلمات أغنية أخرى "لمروان محفوظ"، قبل أن يرى منصور توافقه مع حالة الأغنية، فيطلب من زياد إعادة توظيفه لها، لتقدمها فيروز بصوتها. وخلال أدائها للأغنية، لم تتمالك فيروز دموعها تأثرًا بغياب عاصي، وهو ما انعكس على إحساسها الصادق في الغناء، ليمنح اللحن والكلمات تأثيرًا استثنائيًا جعل الأغنية واحدة من أكثر أعمالها حضورًا في وجدان الجمهور. وقد كشفت هذه التجربة عن بداية ملامح رؤية "زياد" الخاصة، وقدرته على إضافة مسار مختلف داخل تجربة والدته الفنية.
حداثة السن... ورهان الموهبة
لم يكن التشابه بين التجربتين في المصادفة وحدها، بل امتد إلى حداثة سن الملحنين عند بداية التعاون، فقد دخل "بليغ" عالم كوكب الشرق وهو في الثالثة والعشرين، بينما لم يكن "زياد" قد تجاوز السابعة عشرة عندما لحن للمرة الأولى لصاحبة الصوت اللبناني الأشهر، وفي الحالتين، وجد ملحن شاب نفسه أمام تاريخ موسيقي صنعه كبار الملحنين، والمطلوب منه أن يضيف إليه لا أن يكرر ما سبقه.
ورغم المكانة الكبيرة التي كانت تتمتع بها المطربتان قبل هذا التعاون، فإن قبول خوض تجربة جديدة مع ملحنين في بداية مشوارهما لم يكن قرارًا سهلًا، فقد بلغتا قمة المجد الفني، وأصبح أي تغيير في اللون الموسيقي مخاطرة قد لا يتقبلها الجمهور.
فعلى الرغم من أن بليغ حمدي كان قد حقق نجاحات لافتة مع عبد الحليم حافظ وشادية وفايدة كامل وغيرهم، كما أن زياد الرحباني لم يكن يخوض تجربته الأولى، إذ نشأ في بيت رحباني تشكلت فيه موهبته مبكرًا، وكتب الشعر في سن صغيرة، ولحن وهو في الخامسة عشرة أغنية "ضِلّي حبّيني يا لوزيّة" لخالته هدى حداد، فإن ذلك لم يبدد مخاوف أم كلثوم وفيروز من خوض تجربة جديدة مع ملحنين شابين، فالحفاظ على القمة كان تحديًا لا يقل صعوبة عن الوصول إليها، ومع ذلك، كان الإيمان بالموهبة أقوى من الخوف على هذا النجاح، فمُنحت الفرصة لرؤية موسيقية مختلفة أثبتت لاحقًا قدرتها على تجديد التجربتين دون أن تفقدهما خصوصيتهما.
ولذلك، واجه التعاون مع ملحنين في مقتبل العمر شيئًا من التحفظ في البداية من النقاد والجمهور، الذين احتاجوا إلى وقت للتعرف على هذا اللون الجديد، قبل أن يثبت نجاح التجربتين وتصبح هذه الأعمال جزءًا من الذاكرة الفنية، ليؤكد الزمن أن الثقة التي مُنحت لهما كانت رهانًا ناجحًا.
التجديد الموسيقي... الطريق إلى الخلود
ويأتي التجديد الموسيقي في مقدمة نقاط التشابه بين التجربتين، فقد اتخذ "بليغ حمدي" مسارًا خاصًا في تطوير الأغنية، فلم يقتصر على إدخال آلات جديدة، بل أعاد صياغة بنية العمل الموسيقي نفسه، فجعل الجملة اللحنية أكثر بساطة وقابلية للترديد، وطوّر المقدمات الموسيقية لتصبح جزءًا من التعبير الدرامي، ووسع دور الأوركسترا والإيقاع في خدمة المعنى، كما وظف آلات مثل الجيتار والأكورديون والأورج والساكسفون داخل النسيج الشرقي للأغنية، وبلغ هذا التوجه ذروته في مقدمة "فات الميعاد"، حين منح الساكسفون دورًا رئيسيًا داخل البناء اللحني، ليصبح جزءًا من هوية الأغنية لا مجرد إضافة موسيقية عابرة.
وامتد التجديد إلى بناء الأغنية؛ ففي "أنساك" اعتمد بليغ على جمل لحنية قصيرة ومتتابعة، وكسر في "بعيد عنك" الشكل التقليدي للمقدمة، بينما عزز في "سيرة الحب" الحوار بين صوت أم كلثوم والفرقة الموسيقية، قبل أن يبلغ هذا التطور ذروته في "ألف ليلة وليلة" بمزج المقامات الشرقية بالتوزيع الأوركسترالي الحديث، مع انتقالات لحنية مرنة حافظت على الطابع الطربي وأضفت روحًا معاصرة.
أما "زياد الرحباني"، فاتخذ التجديد لديه مسارًا مختلفًا، قائمًا على المزج بين الشرق والغرب دون أن يفقد صوت فيروز هويته، فأدخل عناصر من الجاز والفانك والبوسا نوفا إلى جانب المقامات الشرقية، واستخدم البيانو والجيتار الكهربائي والباص والدرامز داخل التوزيع الموسيقي، كما منح الآلات مساحة أكبر للحوار مع الغناء، فلم تعد مجرد مرافقة للصوت، بل أصبحت شريكًا في بناء الحالة الدرامية للأغنية، ولم يقتصر التجديد على الموسيقى، بل امتد إلى الجملة اللحنية التي أصبحت أكثر هدوءًا واقترابًا من الإلقاء الطبيعي للكلمات، بعيدًا عن الامتدادات الطربية التقليدية.
وظهر ذلك بوضوح في أعمال مثل "كيفك إنت"، التي اعتمدت على البساطة والفراغات الموسيقية، و"أنا عندي حنين"، التي مزجت الإيقاع الغربي بالروح الشرقية، و"عودك رنان"، التي قدمت قالبًا موسيقيًا مختلفًا عن الصورة الرحبانية الكلاسيكية، ومع ذلك، لم يتعامل زياد مع إرث عاصي ومنصور كشيء يجب تجاوزه، بل كقاعدة ينطلق منها، فحافظ على خصوصية صوت فيروز، ومنحه مساحة جديدة للتعبير دون أن يفقد ملامحه التي عرفها الجمهور.
وبهذا تؤكد التجربتان أن بعض المسارات الفنية، مهما بدت مختلفة، قد تحمل ملامح مشتركة لا تظهر إلا عند التأمل فيها.