ليس كل مسرح يبدأ من خشبة مرتفعة، أو ستارة حريرية تنفرج على ضوء مبهر، أو جمهور يجلس مستعداً لتلقي حكاية جاهزة ومكتملة الفصول. أحياناً كثيرة، يولد المسرح الحقيقي من شرارة فكرة بسيطة، من شرغوف موهبة تبحث عن منفذ، ومن مساحة دافئة تشد على يد صاحبها وتقول له بوضوح: "جرّب.. اخطئ.. أعد المحاولة"؛ فالمسرح في جوهره الشفاف ليس كراساً أيديولوجياً يُحفظ، ولا درساً أكاديمياً يُلقن، وإنما هو طقس حقيقي يُعاش.
من هذه الزاوية النقدية بالتحديد، يجدر بنا التأمل في ميلاد "مهرجان جامعة القاهرة لعروض القاعة"، الذي شهدت أروقة الجامعة العريقة انطلاق دورته الأولى لعام 2026. لم يكن هذا الانطلاق مجرد إضافة رقمية جديدة إلى قائمة الأنشطة الطلابية، بل تمثل في جوهره لحظة فارقة ومحاولة لتأسيس تقليد مسرحي مغاير؛ يقوم على فكرة أكثر اتساعاً ومرونة: أن تتاح خشبة التجريب لأكبر عدد ممكن من الطلاب، وأن تغدو المشاركة في حد ذاتها قيمة جمالية وإنسانية، وأن تتحول المسرحة إلى منصة لاكتشاف الذات وإعادة بناء الشخصية قبل أن تكون ساحة للمنافسة الشرسة على الألقاب.

الدورة الاولي من مهرجان عروض القاعة بجامعة القاهرة
من المقترح إلى الخشبة: رؤية ودعم مؤسسي
تكتسب هذه الدورة معناها من تحول الفكرة من خانة المقترحات الورقية إلى أرض الواقع الملموس. فقد نبعت الفكرة الأساسية من رؤية الفنان هيثم حسام الدين (المشرف الفني لمسرح جامعة القاهرة)، الذي طرح المقترح إيماناً بضرورة خلق مساحة مسرحية موازية تمنح الطلاب حرية خوض تجارب فنية غير نمطية في شتى عناصر العرض. وهي الفكرة التي لاقت ترحيباً وحماساً واضحيْن من الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، الذي وجّه بالبدء الفوري في تنفيذها دعماً للنشاط الفني ورعايةً للمواهب الشبابية.
وقد تظافرت الجهود التنظيمية والتنفيذية لخروج هذا المهرجان للنور تحت إشراف قامات قيادية وفنية؛ تقدمهم الأستاذ الدكتور أحمد رجب محمد علي (نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب)، والأستاذ سماحة السيد بنداري (مدير الإدارة العامة لرعاية الشباب)، والأستاذة رحاب محمد إبراهيم (مدير إدارة النشاط الفني)، إلى جانب مسؤولي النشاط الأستاذة سعدية عيسى والأستاذة راندا أكمل، وبالتكامل مع الإشراف الفني لـ الأستاذ هيثم حسام الدين.
فلسفة التجربة هي الجائزة: مسرح بلا خاسرين
تكمن الخصوصية النقدية لمهرجان عروض القاعة في فلسفته المارقة عن النمط التقليدي للمهرجانات؛ إذ خلت هذه الدورة تماماً من وجود لجان تحكيم، واستُبعدت منها صيغ الجوائز وتفاضل المراكز. لقد اختارت إدارة المهرجان أن تكون "التجربة الذاتية" في حد ذاتها هي الجائزة؛ فلا يخرج طالب مهزوماً وآخر منتصراً، بل يتساوى الجميع في حق الوقوف تحت الضوء، واختبار الأفكار، والتفاعل المباشر مع أقرانهم من مختلف الكليات.
هذا المفهوم يعيد للمسرح الجامعي ديموقراطيته، ليتحول من مسابقة تنافسية إلى احتفالية طلابية كبرى تُعنى باكتشاف الطاقات في كافة التخصصات: من التمثيل والإخراج، مروراً بالكتابة والدراماتورجيا، وصولاً إلى مهندسي الإضاءة والديكور ومصممي الملابس والمكياج والموسيقى. إنها المساحة التي تُمنح للطالب كي يخطئ ويتعلم، إذ لا يمكن صناعة فنان حقيقي داخل صوبة زجاجية دون إتاحة هامش للحرية والتجريب.
.jpeg)
الدورة الأولى من مهرجان عروض القاعة بجامعة القاهرة (1)
.jpeg)
مهرجان عروض القاعة بجامعة القاهرة (3)
مسار الاختيار وروافد العروض
ضمن مسار إعداد الدورة، تقدم للمشاركة 13 عرضاً مسرحياً من مختلف كليات الجامعة، خضعت جميعها للجنة المشاهدة يومي 30 يوليو و2 أغسطس 2026. وتكونت اللجنة من القامات الفنية: الفنان أحمد سامي، الفنان هاني مهران، الفنان محمد بسيوني، والفنان مجيب أحمد، وبمقررية الطالب أحمد خليفة. وقد أثمرت ملاحظات اللجنة وتوصياتها عن رفد المخرجين الشباب بآليات تطوير تجاربهم، لتستقر في النهاية على اختيار خمسة عروض أساسية، إلى جانب عرضين في قائمة الاحتياط:
العروض الخمسة المختارة:
"الغرفة البيضاء": تأليف يوسف الحداد، وإخراج يوسف الصوفي (كلية الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي).
"رجل الوسادة": عن نص مارتن مكدونا، إعداد وإخراج أحمد فوزي (كلية الطب البشري).
"نحن من نصنع البالونات": تأليف وإخراج سارة طلعت (كلية التربية النوعية).
"الرجل الذي أكل الكوكو": عن نص يوجين يونسكو، دراماتورج وإخراج جيروم القمص.
"الرجال لهم رؤوس": عن نص الكاتب الكبير محمود دياب، دراماتورج وإخراج عبد الرحمن حسن.
العرضان الاحتياطيان:
"آنستي العجوز": تأليف وإخراج عمر حسيب.
"الأشجار تموت واقفة": عن نص أليخاندرو كاسونا، دراماتورج وإخراج يوسف هاني.
خمسة أيام من الشغف والفرجة
وعلى مدار خمسة أيام متصلة (من 6 إلى 10 سبتمبر 2026)، عاش جمهور الجامعة حالة من المتابعة والتدفق الفني؛ حيث افتُتحت الفعاليات يوم الأحد 6 سبتمبر بعرض "الغرفة البيضاء"، تلاه يوم الاثنين عرض "رجل الوسادة". وفي اليوم الثالث (الثلاثاء)، قُدم عرض "نحن من نصنع البالونات"، ثم استقبلت القاعة يوم الأربعاء العرض العبثي "الرجل الذي أكل الكوكو". وحُتمت الفعاليات مساء الخميس 10 سبتمبر بالمعالجة الدرامية لنص محمود دياب "الرجال لهم رؤوس".
.jpeg)
مهرجان عروض القاعة بجامعة القاهرة (1)
.jpeg)
مهرجان عروض القاعة بجامعة القاهرة (2)
بداية تقليد.. لا مجرد إسدال ستار
إن الأهمية النقدية لهذه الدورة الأولى لا تُقاس مطلقاً بعدد أيامها أو حصيلة عروضها، بل بـ الأثر الممتد الذي تتركه في وجدان صناعها وجمهورها من الطلاب. إن المهرجان يراهن على أن التجربة المباشرة هي المحرك الأساسي لتشكيل ذائقة الفنان، وأن منح الطالب بيئة آمنة للتجريب يخلق حالة صحية تتشكل فيها أجيال جديدة من المبدعين والمتفرجين الواعين على حد سواء.
لم يكن الستار الذي أُسدل في العاشر من سبتمبر إعلاناً بنهاية الحدث، بل كان إشارة بدء لتقليد مسرحي جديد ومستمر داخل جامعة القاهرة. لقد أُغلق باب الدورة الأولى ليُفتح باب التأسيس لمستقبل مسرحي أكثر اتساعاً ورسوخاً؛ مستقبل يؤكد في كل دورة قادمة أن المسرح في جوهره هو الفرصة.. وأن الفرصة متى حظي بها المستحقون، صاغت من شغفهم فنانين حقيقيين.