ولاد البطة السودا .. بين الإقصاء وتعقيدات الواقع الاجتماعي

الدكتورة شيماء سعيد تكتب عن ولاد البطة السودا الدكتورة شيماء سعيد تكتب عن ولاد البطة السودا
 
د. شيماء سعيد

 

يعود تعبير "ابن البطة السوداء" إلى رواية "البطة القبيحة" للكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن الصادرة عام 1844، والتي تُجسّد رحلة الكائن المختلف في مواجهة الإقصاء الاجتماعي، حتى يتكشف لاحقًا معنى قيمته الحقيقية خارج معايير الحكم السطحي للجماعة. ومن هذا الأصل الأدبي تشكّلت دلالة "البطة السوداء" في الوعي الشعبي بوصفها رمزًا لمن يُقصى ويُنظر إليه خارج دائرة القبول، قبل أن يتسع الاستخدام ليشير إلى الفرد الذي يُحاكم اجتماعيًا لمجرد اختلافه لا لأفعاله، وبذلك غدا المصطلح علامة ثقافية تكشف آلية إنتاج الرفض داخل الجماعة عبر تحويل الاختلاف إلى وصمة جاهزة للإقصاء.

ولهذا يحمل عنوان العرض المسرحي "ولاد البطة السودا" الذي يعرض على مسرح الهناجر دلالة قاسية ومؤثرة في الوقت نفسه، لأنه يفتح السؤال حول الطريقة التي يصنع بها المجتمع المنبوذين، فربما لم تكن "البطة السوداء" سيئة أو ناقصة يومًا، بل فقط مختلفة، لكن المجتمع اختار أن يرى اختلافها سببًا للرفض بدلًا من أن يراه جزءًا طبيعيًا من التنوع الإنساني.

يقدّم العرض فضاءً بصريًا ودلاليًا ثريًا يتعامل مع التهميش بوصفه بنية اجتماعية تُعيد إنتاج الإقصاء بأشكال متعددة، حيث توضع الشخصيات داخل صناديق قابلة للكسر، وتظهر الحكايات من خلف سلالم خشبية تشبه نوافذ مغلقة، في استعارة تكشف هشاشة المهمشين وعزلتهم داخل مجتمع يفرض عليهم الصمت كشرط للبقاء، بما يجعل التشكيل البصري امتدادًا مباشرًا لفكرة الإقصاء لا مجرد خلفية له.

ويُحسب للعرض قدرته على تفكيك البنية الطبقية واللغوية داخل المجتمع المصري، من خلال خطاب ساخر وواعٍ في آنٍ واحد، فقد كشف كيف تحولت اللغة الإنجليزية إلى علامة طبقية تمنح أصحابها امتيازًا اجتماعيًا زائفًا، بينما يُنظر إلى البسطاء باعتبارهم أقل قيمة أو أقل رقيا، ولم يتوقف الطرح عند حدود اللغة، بل امتد إلى الجغرافيا الاجتماعية ذاتها، عبر المفارقة بين "فيصل" و"مدينتي"، بوصفهما دلالتين على الانقسام الطبقي الحاد، كما عالج العرض فكرة تصنيف البشر على أساس الملة أو الانتماء الديني، مؤكدًا عبر خطابه الدرامي أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا سياسيًا بقدر ما هي ضرورة وجودية، وأن العنصرية الدينية قادرة على تفتيت النسيج الإنساني إذا تُركت دون مواجهة.

أما قضايا المرأة، فقد حضرت داخل العرض بوعي درامي تجاوز الخطاب النسوي التقليدي، إذ ناقش القوالب الاجتماعية الصلبة التي تُحاصر النساء في الريف والمدينة على السواء. وقد بدا الطرح أكثر نضجًا حين لم ينحز إلى خطاب أحادي، بل اقترب أيضًا من الهشاشة الذكورية وما يتعرض له الرجل من ضغوط اجتماعية ونفسية، ليؤكد أن العلاقة بين الرجل والمرأة لا تُبنى على الصراع بقدر ما تقوم على التكامل. ومن أكثر المشاهد التصاقًا بالواقع، تناوله لازدواجية المجتمع في التعامل مع الرجل والمرأة، فالرجل يمكنه التدخين أو المبيت وحيدًا في فندق دون مساءلة، بينما تُدان المرأة اجتماعيًا بسبب السلوك نفسه، في إسقاط ذكي على القضايا المتداولة حاليًا داخل المجال العام والسوشيال ميديا.

ورغم ثقل القضايا المطروحة، نجح العرض في الحفاظ على إيقاعه الحيوي عبر توظيف الأغاني الشعبية والاستعراضات بوصفها جزءًا من النسيج الدرامي، لا مجرد فواصل ترفيهية، فجاءت أغنيات مثل "أسمر أسمر طيب ماله" محمّلة بدلالات رمزية تعكس فكرة الاختلاف وقبول الآخر، كما أسهمت في خلق حالة تفاعلية مع الجمهور دون الإخلال بالبناء الدرامي، كذلك لعبت الأزياء دورًا دلاليًا مهمًا في التعبير عن الشخصيات المهمشة، إذ بدت الملابس امتدادًا بصريًا للهامش الاجتماعي الذي تعيشه تلك الشخصيات، وبين السخرية والكوميديا السوداء.

كما أشار العرض إلى القضية الفلسطينية بوصفها إحدى القضايا الإنسانية المحورية، في سياق يربط بين أشكال القهر المختلفة حول العالم، وقدّم إضاءة خاصة على ما تواجهه المرأة الفلسطينية من معاناة مضاعفة تجمع بين الاحتلال من جهة والقيود الاجتماعية والإنسانية من جهة أخرى، ليؤكد أن المرأة الفلسطينية ليست فقط ضحية صراع سياسي بل أيضًا شاهدة على انتهاكات تمس وجودها اليومي وحقوقها الأساسية، وبذلك يوسّع العرض دائرة قضاياه ليجعل من فلسطين رمزًا للمعاناة الإنسانية في بعدها الأشمل لا مجرد قضية سياسية منعزلة.

اعتمد العرض على جدار بصري رقمي بوصفه عنصرًا سينوغرافيًا مولِّدًا للفضاء الدرامي، ومن بين الاقتباسات البصرية التي عُرضت عليه لقطات من مقابلة للملاكم "محمد علي كلاي"، يتحدث فيها عن رفضه للعنصرية القائمة على اللون، بما يعزز خطاب العرض في مواجهة التمييز وإقصاء المختلف، كما تضمن الجدار مشاهد من فيلم "الخيط الرفيع" من بطولة محمود ياسين وفاتن حمامة، في توظيف بصري يفضح الازدواجية الأخلاقية للمجتمع الذكوري، الذي يستثمر المرأة ثم يدينها، ويعيد إنتاج وصمها أخلاقيًا، وقد أسهم هذا التناص البصري في إبراز هشاشة العلاقات الإنسانية داخل مجتمع تتشكل أحكامه وفقًا للسلطة الاجتماعية لا للقيم العادلة.

يشارك في بطولة العرض بالحكي والتمثيل كل من: محمد عبد المعز، جيمي عبد الناصر، همس شاكر، ولاء الجندي، بينما يجمع بين الحكي والتمثيل والغناء كل من: فرح رجب ومحمد علي حزين، ويشارك بالغناء: أحمد علي، دينا حمادة، وشريف ذكي، بمصاحبة موسيقية من العازفين: محمد موندي، مصطفى اللمبي، وديع، في توليفة فنية تجمع بين الأداء التمثيلي والغنائي والاستعراضي.

ويتولى دراماتورج وإخراج العرض عبير علي حزين بمشاركة فريق الإخراج الذي يضم: مانا مراد، إيهاب نعمان، دينا حمادة، وشريف زكي، بينما يتولى أحمد شمس مهمة المخرج المنفذ، ويشرف على تدريب الموسيقى والغناء: هاني عبدالناصر، مع تصميم الاستعراضات: لعلي جيمي، والمايم لمصطفى حزين، والديكور والملابس لعبد الله محروس بمساعدة راما القدور، وتنفيذ عبدالسلام كامل، إلى جانب تصميم الفيديو: لمحمد مغربي، والإضاءة لمحمد عبد المحسن، وكاميرا: اللايف لحسام الهادي، والصوت: لمحمد جامع، وإدارة خشبة المسرح: لأحمد علي.

ولاد البطة السودا
ولاد البطة السودا
عرض ولاد البطة السودا
عرض ولاد البطة السودا
عرض ولاد البطة السودا اخراج عبير علي
عرض ولاد البطة السودا اخراج عبير علي
مسرحية ولاد البطة السودا
مسرحية ولاد البطة السودا
ولاد البطة السودا علي مسرح الهناجر
ولاد البطة السودا علي مسرح الهناجر

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر